
تشهد أوروبا صعوبات متزايدة في إصلاح أنظمة التقاعد التي تشكل عبئاً ثقيلاً على ميزانيات الحكومات، إذ تجد نفسها عالقة بين مطالب الناخبين المتقدمين في السن، وضرورة ضبط الإنفاق العام.
منذ عقود، يُعد الحق في التقاعد ركناً أساسياً في العقد الاجتماعي الأوروبي. غير أن ارتفاع متوسط الأعمار، وتراجع معدلات الولادة، جعلا من الصعب على معظم الدول السماح بالتقاعد الكامل عند مطلع الستينيات كما كان سائداً في الماضي.
لكن إقناع الناخبين بضرورة تأخير سن التقاعد ظل مهمة شبه مستحيلة، في ظل احتجاجات حاشدة، وأزمات حكومية متكررة.
أحدث الأمثلة جاءت من فرنسا، حيث اضطرّت الحكومة إلى تأجيل خططها لرفع سن التقاعد الأدنى في الاتحاد الأوروبي، المحدد، حالياً، بـ62 عاماً.
كما واجهت ألمانيا، وإسبانيا، وإيطاليا، محاولات فاشلة مماثلة. ويُرجع الخبراء ذلك إلى ما يُعرف بـ«الهيمنة الديموغرافية على الديمقراطيات»، إذ يرى الاقتصادي الإسباني خافيير دياث-خيمينيث أن «الجيل الأكبر سناً سيعارض، دوماً، أي إصلاح لا يضمن له المعاش الذي وُعِد به».
في بعض الدول، لم تنجح إصلاحات التقاعد إلا حين فُرضت تحت ضغط الأزمات المالية أو الدائنين الدوليين.
ففي اليونان، والبرتغال، وإيطاليا، وإسبانيا، جرى تنفيذ إصلاحات قاسية خلال العقد الماضي، بينما أقدمت السويد على خطوة مماثلة في تسعينيات القرن الماضي.
وتستذكر وزيرة العمل الإيطالية السابقة إلسا فورنيرو بكاءها، العام 2011، عندما أعلنت رفع سن التقاعد قسراً وسط أزمة الديون، قائلة: «لم نُرِد معاقبة أحد، لكن الأسواق كانت تطالب بإصلاح فوري وجذري».
دراسة أكاديمية تناولت إصلاحات أنظمة التقاعد، بين 2006 و2015، أظهرت أن الحكومات الأوروبية لا تجرؤ، عادة، على الإصلاح إلا عندما تتعرض لضغوط مالية شديدة، وهي ضغوط محدودة نسبياً في فرنسا مقارنة بإيطاليا خلال أزمة اليورو.
ورغم نجاح هذه الإصلاحات في تحسين المالية العامة مؤقتاً، فإن كثيراً منها لم يصمد طويلاً.
فقد خففت إسبانيا وإيطاليا من القيود مع انحسار الأزمة، بينما رفعت اليونان والبرتغال، لاحقاً، قيمة المعاشات مجدداً.
يؤكد جواو سيلفا، معدّ تقرير حول أنظمة التقاعد لصالح «البرلمان الأوروبي للشباب»، أن «الإصلاحات المفروضة من دون توافق مجتمعي محكوم عليها بالفشل».
الأمر ذاته ينطبق على ألمانيا، والمملكة المتحدة، وإيرلندا، حيث لم تجرؤ الحكومات على المساس بنظام «القفل الثلاثي» الذي يضمن زيادات سخية للمعاشات سنوياً.
رغم الصعوبات، نجحت بعض الدول في تحقيق إصلاحات مستدامة. ففي هولندا، أُقرّ نظام جديد يعتمد على التقاعد بالتمويل الذاتي، حيث تُحتسب المعاشات وفقاً لما يدخره العامل خلال مسيرته، من دون ضمان مبلغ ثابت.
كما تبنّت السويد نموذجاً مشابهاً في التسعينيات، ورغم رفضه آنذاك، بات، اليوم، يُعد أحد أسرار قوة الاقتصاد السويدي واستدامة نظامه التقاعدي.
وتقول فورنيرو إن الدرس الأهم هو ضرورة بناء توافق شعبي قبل أي تغيير، مضيفة: «كان على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يشرح لمواطنيه أكثر... زيادة سنتين فقط كانت ممكنة لو فُسّرت جيداً، لكنها تحولت إلى كبش فداء سياسي».
وتواجه أوروبا معضلة ديموغرافية واقتصادية يصعب تجاوزها من دون توافق واسع. وبينما تثبت التجارب أن الإصلاح ممكن في ظل ضغط الأزمات أو بفضل الحوار الطويل، تبقى معظم الحكومات حبيسة خوفها من الناخبين، ما يجعل فجوة التقاعد تتسع عاماً بعد عام.