
تخفي مرونة الاقتصاد الأميركي المفاجئة هذا العام ضعفاً متزايداً في صفوف الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط، فيما يواصل الأثرياء دفع عجلة النمو بفضل ارتفاع ثرواتهم.
ورغم أن هذا التفاوت بين من يملكون ومن لا يملكون ليس جديداً، فإن الضغوط الاقتصادية بدأت تمتد من الشرائح الأدنى إلى الطبقة الوسطى، ما يفاقم الانقسام الاجتماعي ويجعل الاقتصاد أكثر عرضة للركود، بحسب عدد من الاقتصاديين، بحسب «بلومبرغ».
فأغنى 10% من الأسر تموّل ما يقرب من نصف الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة، مدعومةً بمكاسب قوية في سوق الأسهم رفعت ثرواتها، وبالتالي الناتج الاقتصادي خلال العام.
في المقابل، بدأت الأسر ذات الدخل المحدود تقلّص إنفاقها بسبب ضيق الميزانيات وارتفاع تكاليف المعيشة واستمرار موجات تسريح العمالة.
وقد أشار مديرو شركات مثل «تشيبوتلي» و«هيلتون» و«إيثان ألين» إلى هذا الاتجاه خلال مكالمات نتائجهم المالية الأخيرة، فيما قال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول إن البنك المركزي يراقب عن كثب مؤشرات انقسام الاقتصاد بعد خفض أسعار الفائدة الأسبوع الماضي.
وقال الخبير الاقتصادي بيتر أتووتر، الذي صاغ في عام 2020 مفهوم «الاقتصاد على شكل حرف K»، إن «اقتصادنا اليوم يشبه برج جينغا المائل؛ إنه قائم على قاعدة ضيقة من الأعلى، ما يجعله هشّاً للغاية».
وفي لعبة «جينغا» الشهيرة، يزيل اللاعبون قطعاً خشبية من برج متوازن حتى ينهار. والمقارنة مناسبة تماماً، إذ يسجّل سوق الأسهم مستويات قياسية جديدة في وقت يتباطأ فيه التوظيف وتزداد حالات التسريح.
ورغم أن وتيرة النمو القوية فاجأت معظم الاقتصاديين، خصوصاً في ظل التغييرات السياسية الكبيرة التي أجرتها إدارة ترامب، فإن اتساع الفجوة في الإنفاق — مع اعتماد الاقتصاد على شريحة صغيرة من الأثرياء — يثير المخاوف من هشاشة النمو الأميركي.
فيما قال كبير الاقتصاديين في «موديز أناليتيكس» مارك زاندي: «إن أي اضطراب يصيب الأسر ذات الدخل المرتفع والثروة العالية قد يوجّه ضربة قاسية للاقتصاد، لأنها آخر ركائزه المتينة». وأضاف أن تراجع سوق الأسهم «قد يسحب البساط من تحت أقدام هذه الأسر ويزيد احتمالات الركود».
ورغم أن الاقتصاديين الذين استطلعت «بلومبرغ» آراءهم لا يتوقعون ركوداً قريباً، فإن الضغوط تشتد على الطبقات الدنيا والوسطى. فبينما باتت أعلى 20% من الأسر تمثل نحو ثلثي الإنفاق الاستهلاكي — وهو مستوى قياسي — تراجعت حصة 80% المتبقية إلى 37% فقط، بعد أن كانت تقارب 42% قبل الجائحة، وفق بيانات «موديز أناليتيكس».
ويقلّص المستهلكون من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط إنفاقهم على مختلف السلع، مثل الملابس والألعاب، خصوصاً بعد فرض رسوم جمركية جديدة مطلع هذا العام.
كما استؤنف سداد قروض الطلاب، وارتفع عدد المقترضين «دون المستوى الائتماني»، بحسب شركة «ترانس يونيون» لتقارير الائتمان. وتستمر المخاوف من التضخم، لا سيما في ما يتعلق بالإيجارات والمواد الغذائية، في ظل تباطؤ نمو الأجور، وضعف التوظيف، وارتفاع حالات التسريح، بينما فاقم الإغلاق الحكومي الأخير الأوضاع عبر تعطيل إعانات الغذاء والرعاية، ورفع أقساط التأمين الصحي.
في المقابل، تزداد ثروات الأثرياء بفضل ارتفاع أسعار الأسهم والعقارات، بينما يعجز من لا يملك هذه الأصول عن الاستفادة من مكاسبها لتعويض التضخم. وقال أتووتر: «بالنسبة للفئات الأدنى، أصبحت أمور كانت جزءاً من الحلم الأميركي بعيدة المنال؛ ليست فقط غير ميسورة، بل غير ممكنة أصلاً».
وتلحظ الشركات تغيّراً واضحاً في سلوك المستهلكين: فقد ذكرت سلسلة متاجر «كروغر» أن المتسوقين من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط يستخدمون القسائم الشرائية أكثر، ويشترون العلامات التجارية الأرخص، ويقلّصون تناولهم للطعام خارج المنزل. أما المستهلكون الأثرياء فيشترون أحجاماً أكبر من السلع، بينما يسعى من يعيشون «من راتب إلى راتب» وراء العروض والتخفيضات، بحسب «بروكتر آند غامبل».
وقالت شركة «أورايلي أوتوموتيف» إن زبائنها باتوا يؤجلون الإصلاحات الكبيرة، وحتى «أبل» غيّرت استراتيجيتها لتطوير حاسوب محمول منخفض الكلفة.
وأشار رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في أتلانتا رافاييل بوستيك إلى أن بعض المستهلكين انتقلوا من استخدام كبسولات الغسيل الجاهزة إلى المساحيق والسوائل الأرخص التي يمكن توزيعها بكميات محدودة، لكنه أوضح أن الشركات لا تبدو قلقة بشدة بعد، رغم الملاحظات عن تباطؤ طفيف في النشاط.
فيما يرى محللون أن الفارق بين المستويات المعيشية ليس جديداً، إذ لطالما تأثر ذوو الدخل المنخفض بارتفاع الأسعار، لكن المختلف هذه المرة هو أن الطبقة الوسطى نفسها بدأت تشد الأحزمة، مدفوعة بتدهور الثقة الاقتصادية وليس بفقدان الوظائف كما جرت العادة، وفق مايكل سكورديلس من «تروست أدفايسوري سيرفيسز».
ورغم أن التضخم تباطأ مقارنة بعام 2022، فإن الأسعار لا تزال أعلى بنحو 27% منذ بداية الجائحة، ما ترك «ندوباً» في سلوك المستهلكين وشعوراً بالحذر عند الإنفاق.
وحذّرت كبيرة الاقتصاديين في «كي بي إم جي»، ديان سوانك، من أن «ما يُعتبر تفاوتاً طبيعياً قد يتحول إلى انقسام متطرف يضعف قدرة الاقتصاد على الصمود»، مضيفةً أن ذلك «يؤجج السخط والاضطرابات الاجتماعية، ويصبح عاملاً مدمّراً أكثر منه محفّزاً للنمو».