
تحت ضغط بيئي واقتصادي متصاعد، يوشك زمن الأكواب ذات الاستخدام الواحد على الانحسار، إذ تتسارع الحكومات والشركات إلى استبدال العبوات البلاستيكية والمعدنية التي تُرمى بعد الاستعمال بخيارات قابلة لإعادة الاستخدام، في إشارة إلى أن ما كان رمزاً لثقافة الاستهلاك السريع قد يقترب من نهايته.
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، لم يعد الدافع إلى استبدال هذه العبوات مسألة وعي بيئي فقط، بل تحوّل إلى معادلة اقتصادية حادة، حيث تتضاعف تكاليف إدارة النفايات وتتصاعد أعباء الامتثال التنظيمي، بالتوازي مع تغير سلوك المستهلكين.
أشارت الصحيفة إلى أن الاتحاد الأوروبي يشكّل رأس الحربة في هذا التحول، عبر تشريعات ملزمة تعيد تشكيل استراتيجيات الاستثمار في قطاع الأغذية والمشروبات. فبحلول عام 2028، ستُلزم قواعد الاتحاد الأوروبي المقاهي والمطاعم السريعة التي يزيد عدد موظفيها على عشرة أشخاص بتوفير أكواب قابلة لإعادة الاستخدام والمشاركة في أنظمة جمع وغسل وإعادة تدوير منظمة.
أما فرنسا، فقد سبقت منذ 2023 بفرض تقديم الأطعمة والمشروبات في عبوات قابلة لإعادة الاستخدام للزبائن الذين يتناولون في الداخل، فيما تلزم ألمانيا الملاعب والمطاعم الكبرى بتوفير بدائل متعددة الاستخدام.
هذه التشريعات، وإن بدت مكلفة للشركات في البداية، أعادت رسم خريطة الاستثمارات في قطاع الأغذية والمشروبات، حيث نشأت صناعات جديدة متخصصة في البنية التحتية لإعادة الاستخدام، من الخدمات اللوجستية إلى تقنيات التتبع الرقمي.
وقال محللون إن هذه القوانين ترسم سابقة قد تمتد عالمياً، ما يزيد من تكاليف الامتثال على الشركات لكنه يفتح في الوقت نفسه فرصاً لموردي تقنيات وخدمات إعادة الاستخدام.
بحسب التقرير، تحولت مدن مثل آرهوس في الدنمارك إلى ساحات اختبار واسعة النطاق. فقد حقق برنامج تقوده شركة «تومرا سيستمز» (Tomra Systems) النرويجية معدل إرجاع بلغ 87% في 70 موقعاً ومنع إلقاء أكثر من مليون كوب خلال عام واحد فقط.
ويحصل المستهلكون في البرنامج على استرداد مالي يقارب 0.72 يورو لكل كوب عبر آلات ذكية تعتمد مسح رموز «الاستجابة السريعة» (QR Code)، وهو ما يكشف أن التكنولوجيا الرقمية تجاوزت دورها التشغيلي التقليدي لتتحول إلى رافعة اقتصادية تقلص التكاليف وتضاعف الكفاءة.
كما تلجأ المواقع ذات الكثافة الاستهلاكية المرتفعة، مثل المهرجانات والملاعب، إلى استخدام أكواب مزودة بشرائح «تحديد الهوية بالترددات اللاسلكية» (RFID) تتيح عمليات إرجاع جماعية وسريعة.
ففي «مهرجان أويا» (Øyafestivalen) الموسيقي بالنرويج، على سبيل المثال، دفع الزوار رهناً مالياً بقيمة 2.45 دولار لكل كوب، تُسترد تلقائياً عند الإرجاع عبر حاويات ذكية مدعومة بهذه التقنية. وفي المملكة المتحدة، تمكّن «قصر بلينهايم» (Blenheim Palace) من الاستغناء عن نحو 400 ألف كوب أحادي الاستخدام سنوياً، وهو ما ترجم إلى وفورات مالية تقارب 81 ألف دولار سنوياً.
الرسالة الأبرز بحسب التقرير، هي أن الاستدامة لم تعد رفاهية أخلاقية. فالمعادلة المالية باتت قاطعة: تكلفة العبوة أحادية الاستخدام ورسوم التخلص منها تفوق تدريجياً الاستثمار في بنية تحتية لإعادة الاستخدام.
في الولايات المتحدة، ورغم غياب تشريعات اتحادية تحدد إطاراً ملزماً، بدأت بعض الجامعات والشركات الناشئة باختبار أدوات مالية مبتكرة لتغيير عادات المستهلكين ودفعهم نحو استخدام الأكواب القابلة لإعادة الاستعمال.
فقد كشفت تجارب «جامعة بوسطن» أن فرض رسوم وغرامات مدروسة يقلب المعادلة رأساً على عقب، إذ أكدت معدلات الإرجاع التي لامست 96% أن السلوك الاستهلاكي ينضبط حين تُترجم القيم البيئية إلى حوافز وعقوبات مالية.
وعلى الضفة المقابلة، أظهرت البرامج الطوعية أو منخفضة التكلفة نتائج محدودة بل وفاشلة في بعض الحالات. ففي مدينة بيتالوما بولاية كاليفورنيا، لم تتجاوز معدلات الإرجاع 51% خلال تجربة تجريبية، بسبب غياب نظام الرهن المالي الذي يخلق التزاماً فعلياً لدى المستهلكين.
في الوقت ذاته، أكدت شركة «ريوزبلز دوت كوم» (reusables.com) الكندية أن تطبيق عقوبات مالية تصل إلى 15 دولاراً عند عدم إعادة الأكواب دفع معدلات الإرجاع إلى مستوى شبه كامل بلغ 99%، ما يوضح أن الحوافز السلبية قد تكون أحياناً أكثر فاعلية من الحوافز الطوعية.
تفرض اقتصاديات العبوات القابلة لإعادة الاستخدام واقعاً جديداً يعيد تشكيل سلاسل التوريد والمشتريات وأنماط التسعير في الأسواق. فرغم أن الاستثمار في بنية تحتية متكاملة للغسل والخدمات اللوجستية والتقنيات الرقمية يتطلب نفقات رأسمالية مرتفعة في البداية، فإن المردود على المدى الطويل يتجسد في وفورات تشغيلية واستقرار أكبر للشركات أمام الضغوط التنظيمية وتكاليف النفايات المتصاعدة.
أمّا على مستوى المستهلك، فيتحول النموذج السائد من فكرة «شراء منتج يُستهلك لمرة واحدة» إلى ما يشبه عقد إيجار مؤقت لوعاء يُعاد استخدامه، حيث يُدفع رهن مالي يُسترد عند الإرجاع أو تُفرض غرامة عند الإخلال بالالتزام.
وأشار محللون، بحسب «وول ستريت جورنال»، إلى أن مسار تبني الأكواب القابلة لإعادة الاستخدام يكرر نمط تشريعات الاستدامة السابقة: مقاومة في المراحل الأولى، يعقبها تقبل واسع عندما تتوازن الكلفة مع الحوافز المالية.
خلصت الصحيفة إلى أن السعي للتخلص من الأكواب أحادية الاستخدام لم يعد مجرد مبادرة بيئية، بل يمثل إعادة تقييم شاملة لكيفية إدارة النفايات وإدماجها في معادلة اقتصادية متكاملة.
فما بدأ كخيار أخلاقي لحماية البيئة بات يُقاس اليوم بلغة الأرقام: كلفة العبوات أحادية الاستخدام، ورسوم جمع النفايات، والغرامات التنظيمية، في مقابل استثمار استراتيجي في بنية تحتية دائرية قادرة على إعادة الاستخدام وتحويل العبء إلى قيمة اقتصادية طويلة الأمد.
أما بالنسبة للمدن والشركات، فإن الأعوام المقبلة ستكون حاسمة في تقرير ما إذا كانت النجاحات الجزئية ستتوسع لتشكل نماذج اقتصادية قابلة للاستمرار، بما ينذر بتحول جذري في اقتصاد القهوة العالمي.