
في إعادة تشكيل متسارعة لهندسة التجارة العالمية، تدفع الحرب الإيرانية سلاسل الإمداد إلى التحول لبنية أكثر تعقيداً تقوم على تعدد المراكز وتوزيع المخاطر. ولا يعكس هذا التحول استجابة ظرفية للأزمة، بل يشير إلى إعادة تسعير منهجية لمعادلة الكلفة مقابل المرونة، مع تراجع أولوية الكفاءة التشغيلية المطلقة.
ويرى محللون، نقل عنهم موقع AGBI، أن الصراع كشف محدودية نموذج «التسليم في الوقت المناسب» (Just-in-Time)، الذي بُني على تقليص المخزون وتعظيم سرعة التدفق، ليتحوّل التركيز نحو بناء هوامش أمان أعلى عبر تنويع مصادر التوريد، وإدخال التكرار في سلاسل الإنتاج، وزيادة المخزونات الاحتياطية. في هذا السياق، لم تعد الكلفة العامل الحاسم، بل أصبحت القدرة على الاستمرار تحت الضغط هي المعيار المركزي في قرارات الشركات.
ورغم أن هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أتاحت استئنافاً جزئياً لتدفقات الطاقة عبر «مضيق هرمز»، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، فإن التطورات الأخيرة أعادت تسليط الضوء على الاختلال البنيوي في اعتماد الاقتصاد العالمي على عدد محدود من الممرات الحيوية.
وقال ماركو فورجيوني، المدير العام لـ«معهد التصدير والتجارة الدولية» (IOE&IT)، إن العالم يدخل «مرحلة مفاهيمية جديدة» في إدارة التجارة الدولية، موضحاً أن الاعتماد على مصدر واحد لخفض التكاليف «يُحوّل الكفاءة إلى مصدر هشاشة، ويُراكم مخاطر غير مرئية في أوقات الاستقرار».
لا تُقرأ الصدمة الحالية بمعزل عن سوابق قريبة، فوفق تقديرات «صندوق النقد الدولي» (IMF)، أدت اضطرابات سلاسل الإمداد خلال جائحة كورونا إلى اقتطاع ما يصل إلى نقطة مئوية كاملة من النمو العالمي.
كما كشف حادث جنوح سفينة «إيفر غيفن» (Ever Given) في «قناة السويس» عام 2021، الذي عطّل تدفقات تجارية تُقدّر بنحو 10 مليارات دولار يومياً، وبكلفة قاربت 400 مليون دولار في الساعة، عن حساسية النظام التجاري العالمي تجاه الاختناقات الجغرافية.
إلا أن الإغلاق الفعلي لـ«مضيق هرمز» خلال الحرب الحالية قدّم اختباراً أكثر حدة، إذ أظهر محدودية البدائل القابلة للتفعيل على المدى القصير. وفي هذا الإطار، برزت خطوط الأنابيب كأداة تخفيف جزئية، حيث يعمل خط «شرق–غرب» السعودي الممتد إلى البحر الأحمر، إلى جانب خط «حبشان–الفجيرة» في الإمارات، بالقرب من طاقتهما القصوى، مع إعادة توجيه تدفقات النفط بعيداً عن المضيق.
كما يقترب خط «كركوك–جيهان» من استعادة دوره كممر بديل لنقل النفط العراقي إلى البحر المتوسط، بعد سنوات من التعطّل، في حين يوفر خط «سوميد» (Suez-Mediterranean)، الممتد بطول 320 كيلومتراً من العين السخنة إلى سيدي كرير، قناة إضافية لنقل نفط الخليج إلى الأسواق الأوروبية.
ومع ذلك، تبقى قدرة هذه البدائل محدودة من حيث الحجم والتغطية. إذ يشير باولو كارلوماغنو، الشريك في قطاع النقل والخدمات اللوجستية لدى «آرثر دي ليتل» (Arthur D Little)، إلى أن هذه المسارات «حتى في أفضل حالاتها التشغيلية لا تغطي سوى ما بين 35% و40% من تدفقات هرمز»، ما يترك جزءاً كبيراً من الإمدادات العالمية معرضاً لقيود جيوسياسية.
وتتفاقم هذه الفجوة في سوق الغاز الطبيعي المسال، الذي يفتقر إلى بنية تحتية برية قابلة للتوسع، ما يجعله أكثر التصاقاً بالممرات البحرية، وأعلى حساسية لأي اضطراب في «هرمز».
في ضوء هذه القيود، يتجه التفكير الاستثماري نحو بناء ممرات موازية تقلّص الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية. ويقول لوران لوكيو، مؤسس «ذا ماكرو باتلر» (The Macro Butler)، إن المرحلة المقبلة ستشهد «إعادة تقييم استراتيجية لمسارات الطاقة البرية، التي ستستعيد وزنها كبديل هيكلي، لا مجرد خيار تكميلي».
ضمن هذا التوجه، يبرز «ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا» (IMEC) كمشروع متعدد الوسائط يدمج السكك الحديدية والطرق والموانئ لربط جنوب آسيا بالأسواق الأوروبية عبر الخليج. كما يتقدم مشروع «طريق التنمية»، باستثمارات تُقدّر بنحو 17 مليار دولار، كمسار بري يربط العراق بتركيا وأوروبا، في محاولة لإعادة توجيه التدفقات التجارية بعيداً عن «هرمز» والبحر الأحمر.
في موازاة ذلك، يواصل «الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني» (CPEC)، ضمن مبادرة «الحزام والطريق»، توسيع قدرته على توفير منافذ بديلة للطاقة عبر آسيا الوسطى وباكستان، بما يعزز التوجه نحو تعددية المسارات.
لكن هذه المشاريع، رغم أهميتها الاستراتيجية، لا تزال في مراحل تطوير متفاوتة، ولا تمتلك حتى الآن القدرة على استبدال الممرات البحرية القائمة. ويؤكد فورجيوني أن «تحويل هذه المسارات إلى بدائل فعلية يتطلب استثمارات كثيفة، ليس فقط في البنية التحتية، بل أيضاً في الأنظمة التشغيلية والتنسيق اللوجستي».
كما يلفت إلى أن النظام التجاري متعدد الأطراف، الذي كان يوفر مظلة للتنسيق في الأزمات، يشهد تراجعاً في فعاليته، ما يفرض على الدول والشركات الاعتماد بشكل أكبر على ترتيبات ثنائية وإقليمية لإدارة المخاطر.
ما يتشكل في هذه المرحلة لا يقتصر على إعادة توجيه التدفقات، بل يمتد إلى إعادة تعريف بنية النظام التجاري نفسه. فبدل سلاسل الإمداد المتتابعة، يتجه العالم نحو «شبكات إمداد» مترابطة، تتسم بقدر أعلى من التعقيد، وتتحمل كلفة تشغيلية أكبر، لكنها توفر قدرة أفضل على امتصاص الصدمات.
ويشير فورجيوني إلى أن هذا التحول «ينقل سلاسل الإمداد من نموذج الكفاءة إلى نموذج المرونة»، فيما يخلص لوكيو إلى أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو بنية «أقل مركزية، وأكثر استقطاباً، وذات كلفة هيكلية أعلى»، مع صعود أمن الطاقة من كونه عاملاً ضمن معادلة السياسة الاقتصادية إلى كونه محدداً رئيسياً لها.
في هذا السياق، لا تُقاس كفاءة النظام التجاري في المرحلة المقبلة بسرعة التدفق أو انخفاض الكلفة، بل بقدرته على الاستمرار تحت الضغط، وهو معيار يعيد صياغة أولويات الشركات والدول على حد سواء.