logo
اقتصاد

كيف عزّزت الحرب مكانة ميناء خورفكان في تجارة المنطقة؟

كيف عزّزت الحرب مكانة ميناء خورفكان في تجارة المنطقة؟
ميناء خورفكان المصدر: وام
تاريخ النشر:

أبرزت الحرب الجارية بين إيران والولايات المتحدة، وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، أهمية امتلاك دول المنطقة منافذ تجارية تقع خارجه. وكان ميناء خورفكان، على الساحل الشرقي للإمارات والمطل على خليج عُمان، في مقدمة هذه المنافذ، بعدما استقبل خلال أشهر قليلة أكثر من ثمانية أمثال حجم الحاويات الذي كان يتعامل معه أسبوعياً قبل الحرب.

لكن التحول الأهم لم يكن في عدد الحاويات وحده، بل في وظيفة الميناء نفسها. فبعدما كان خورفكان يُستخدم أساساً محطة لإعادة توزيع الشحنات إلى موانئ الخليج، أصبح بوابة تدخل عبرها الواردات مباشرة إلى السوق الإماراتية.

وتكشف الأزمة أن قيمة خورفكان لا ترتبط فقط بدوره الاستثنائي خلال الحرب، بل بقدرته على أن يصبح خط دفاع لوجستياً للاقتصاد الإماراتي، ومنفذاً يعمل بالتوازي مع جبل علي وموانئ الخليج العربي حتى بعد عودة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز.

أخبار ذات صلة

منظر عام لجانب من العاصمة الإماراتية أبوظبي، 28 فبراير 2026.

الإمارات تسجل أحد أقوى معدلات التعافي في التوظيف عالمياً

من محطة إعادة شحن إلى بوابة للسوق

قبل الحرب، كانت سفن الحاويات الكبيرة تصل إلى خورفكان وتفرغ جزءاً من حمولتها، قبل أن تتولى سفن أصغر نقلها إلى الموانئ الواقعة داخل الخليج.

لكن تعطل المرور عبر مضيق هرمز غيّر هذا المسار. فبدأت الشحنات تُفرغ في خورفكان، ثم تُنقل براً إلى المستودعات والأسواق ومراكز التوزيع في أنحاء الإمارات.

وبحسب تصريحات صحفية لفريد بلحباب، الرئيس التنفيذي لشركة «غلفتينر» المشغلة لمحطة حاويات خورفكان، ارتفع حجم المناولة الأسبوعية من نحو 8 آلاف حاوية نمطية قبل الحرب إلى ما يعادل 65 ألف حاوية، أي إلى أكثر من ثمانية أمثال مستواه السابق.

وفي مؤشر آخر على التحول، ارتفع عدد حاويات الاستيراد والتصدير المباشر من نحو ألفي حاوية أسبوعياً قبل الحرب إلى 50 ألف حاوية بحلول مطلع مايو، فيما قفز عدد الشاحنات المغادرة من الميناء من نحو 100 إلى قرابة 7 آلاف شاحنة يومياً. كما وظفت «غلفتينر» 900 عامل خلال أسبوعين لمواكبة النشاط المتسارع.

ولا يوجد تناقض بالضرورة بين الرقمين. فـ65 ألف حاوية تمثل إجمالي المناولة، بما يشمل الواردات وشحنات العبور وإعادة الشحن، بينما يشير رقم 50 ألفاً إلى حاويات الاستيراد والتصدير المباشر التي تدخل السوق الإماراتية أو تغادرها.

أخبار ذات صلة

وزارة المالية الإماراتية في العاصمة أبوظبي

الإمارات تمدد تسهيلات ضريبة الشركات الصغيرة والناشئة حتى نهاية 2029

قدرة قائمة قبل الأزمة

يقول استشاري اقتصاد النقل الدولي وسلاسل الإمداد زياد الهاشمي، لـ«إرم بزنس»، إن موقع خورفكان خارج مضيق هرمز كان العامل الأول في قدرته على استقبال الحركة المحوّلة، إلى جانب أعماقه البحرية وتجهيزاته القادرة على التعامل مع سفن الحاويات الكبيرة.

كما ساهمت شبكة الطرق والخطوط السريعة في نقل الحاويات إلى مختلف أنحاء الدولة، سواء للاستهلاك المحلي أو لإعادة الشحن عبر موانئ أخرى، من دون توقف طويل في سلاسل الإمداد.

لكن الانتقال من مناولة حاويات العبور إلى تفريغ واردات كاملة يفرض ضغوطاً مختلفة على الميناء. فالحاوية لم تعد تنتقل فقط من سفينة كبيرة إلى سفينة أصغر، بل أصبحت تحتاج إلى إجراءات جمركية وساحات تخزين وشاحنات ونظام توزيع بري وتسليم نهائي.

ولهذا، فإن توسيع خورفكان لا يقتصر على زيادة الأرصفة أو معدات الرفع، بل يتطلب تطوير البوابات وساحات الحاويات والمستودعات، وإدارة حركة الشاحنات، وربط الميناء بمراكز لوجستية داخلية قادرة على استيعاب التدفقات الجديدة.

وتبلغ الطاقة الاستيعابية الحالية المعلنة للميناء نحو 3.5 ملايين حاوية نمطية سنوياً. وتستهدف «غلفتينر» رفعها في مرحلة أولى إلى 5 ملايين حاوية، ضمن خطة طويلة الأجل للوصول إلى أكثر من 10 ملايين حاوية خلال 36 شهراً.

وأعلنت الشركة برنامج استثمار يصل إلى ملياري دولار لتطوير منظومة متكاملة تشمل توسعة خورفكان، ومرافق لوجستية وموانئ جافة ومراكز تخزين داخلية في الشارقة، فيما تقدر كلفة المرحلة الأولى من تطوير الميناء بنحو 500 مليون دولار.

ويقول المحلل المالي محمد القمزي، لـ«إرم بزنس»، إن الأزمة جعلت خورفكان والفجيرة شريانين بديلين لاستمرار التجارة الإماراتية، لكنها أحدثت في الوقت نفسه تحولاً في وظيفة خورفكان تحديداً.

ويضيف أن الميناء «انتقل من الاعتماد على إعادة الشحن إلى بوابة فعلية تدخل منها البضائع إلى السوق الإماراتية»، معتبراً أن أهميته المستقبلية لن تقاس بعدد السفن والحاويات فقط، بل بدوره بوصفه خط دفاع لوجستياً لاقتصاد الإمارات.

وكانت «غلفتينر» قد قدّرت، في دراسة تشغيلية نشرتها عام 2023 عن الشحنات الآتية من باكستان، أن البضائع العابرة عبر خورفكان يمكن أن تصل إلى مستودعات المستلمين أسرع بأربعة إلى خمسة أيام في المتوسط مقارنة ببعض المحطات الأخرى في الإمارات، فيما يمكن لشركات الملاحة خفض نفقات شبكاتها بما بين 10% و12% نتيجة تقليل استهلاك وقود السفن.

وهذه التقديرات سبقت الحرب ولا تقيس ظروف الازدحام الحالية، لكنها توضح الميزة اللوجستية التي سمحت باستخدام خورفكان جسراً برياً إلى الأسواق، لا محطة لإعادة الشحن فقط.

أخبار ذات صلة

ناقلة تابعة لشركة «أدنوك للإمداد والخدمات» الإماراتية.

«أدنوك للإمداد» الإماراتية تستحوذ على 11 ناقلة بـ1.3 مليار دولار

الكلفة تُقاس باستمرار التجارة

لا تتوافر بيانات رسمية تسمح بتحديد ما إذا كان تحويل الشحنات إلى خورفكان قد رفع فاتورة الاستيراد أم خفضها إجمالاً. فالنقل البري الإضافي والرسوم التشغيلية وزيادة الطلب على الشاحنات والتخزين قد ترفع الكلفة بالنسبة إلى بعض المستوردين.

وتتمثل إحدى الكلف المباشرة في رسم تشغيلي طارئ بقيمة 100 دولار على كل حاوية، بدأ تطبيقه في 15 مارس، وفق إشعار نشرته شركة «هاباغ لويد» استناداً إلى تعميم من «غلفتينر». ولا يحدد الإشعار موعداً لإلغاء الرسم أو إعادته إلى العملاء.

لكن الكلفة تختلف من مستورد إلى آخر. فقد ترتفع بالنسبة إلى البضائع التي تحتاج إلى نقل بري لمسافات طويلة، بينما تستفيد الشحنات المتجهة إلى الساحل الشرقي وشمال الإمارات من قرب الميناء واختصار زمن التسليم. كما تحدد عقود الشحن ما إذا كان المستورد سيتحمل النقل البري والرسوم مباشرة، أم تتولاها شركة الملاحة.

لذلك، لا يمكن اختصار الأثر الاقتصادي للمسار الجديد في رسم إضافي على الحاوية. فالقيمة الأكبر لخورفكان تمثلت في إبقاء الغذاء والمواد الخام والمعدات في حالة تدفق، وتقليص الكلفة الاقتصادية التي كان يمكن أن تنتج من تأخر البضائع أو توقف الإنتاج والتجارة.

ويرى القمزي أن النقل والخدمات اللوجستية سيكونان المستفيد الأول من استمرار دور خورفكان، لأن كل حاوية تدخل الميناء تخلق طلباً على الشاحنات والتخزين والمستودعات ومراكز التوزيع.

كما يتوقع استفادة قطاعي الصناعة والتجارة من وجود منفذ مباشر وأكثر مرونة لاستيراد المواد الخام والمعدات والسلع، لكنه يربط استدامة هذا الأثر باستثمارات إضافية في تطوير الطرق ومسارات الشاحنات، والربط المستقبلي بالسكك الحديدية، وتوسيع المستودعات والمخازن المبردة وساحات الحاويات، وإنشاء مناطق صناعية جديدة، وتحسين خدمات الطاقة والمياه والمرافق اللازمة لاستيعاب الشركات والعمالة.

ويقول الباحث الاقتصادي نجيب الشامسي، لـ«إرم بزنس»، إن ما أظهرته الأزمة لا يقتصر على مرونة تشغيلية طارئة، بل يعكس «رؤية استباقية ونظرة ثاقبة للإمارات» في بناء منافذ بديلة خارج مضيق هرمز، تحسباً لمخاطر تعطل هذا الشريان الحيوي للتجارة والطاقة.

حاويات تتراص على طول رصيف في محطة حاويات خورفكان، أحد الموانئ الرئيسية للحاويات في إمارة الشارقة، على خليج عمان، الإمارات، 19 يونيو 2026
حاويات تتراص على طول رصيف في محطة حاويات خورفكان، أحد الموانئ الرئيسية للحاويات في إمارة الشارقة، على خليج عمان، الإمارات، 19 يونيو 2026المصدر: (أ ف ب)

ويضيف أن تطوير الموانئ الواقعة على الساحل الشرقي، من دبا إلى خورفكان وكلباء، يمنح الإمارات طريقاً آمناً لتدفق صادراتها النفطية، ويتيح في الوقت نفسه استمرار وصول السلع الاستهلاكية والمواد الخام والواردات من دون اختناقات حادة قد تنعكس على الأسعار أو توافر البضائع.

ويرى الشامسي أن الأثر الأوسع لهذه البنية لا يتوقف عند حماية التجارة خلال الأزمات، بل يمتد إلى تعزيز ثقة التجار في السوق الإماراتية، وطمأنة المستثمرين المقيمين إلى قدرة الاقتصاد على الحفاظ على تدفقاته التجارية والإنتاجية حتى عند تعطل المسارات التقليدية.

 وتنسجم هذه القراءة مع توجه الإمارات إلى توسيع الموانئ الشرقية وربطها بشبكات الطرق والسكك الحديدية وخطوط تصدير الطاقة، بما يقلص الاعتماد على مضيق هرمز.

وهكذا، أضاف خورفكان طبقة جديدة إلى شبكة التجارة الإماراتية. فقد أثبتت الأزمة أن وجود ميناء متكامل خارج هرمز يمنح الاقتصاد وقتاً ومساراً وخيارات تشغيلية عندما تتعطل الطرق التقليدية.

أما الاختبار التالي، فهو تحويل الحركة التي فرضتها الحرب إلى قدرة دائمة: ميناء أكبر، وربط بري وسككي أسرع، ومخازن ومناطق صناعية قادرة على الإبقاء على جزء من التجارة في الساحل الشرقي حتى بعد عودة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف