logo
اقتصاد

معالم لبنان المهجورة.. أصول بمليارات الدولارات خارج دورة الاقتصاد

معالم لبنان المهجورة.. أصول بمليارات الدولارات خارج دورة الاقتصاد
معرض رشيد كرامي الدولي، المدرج على لائحة التراث العالمي لليونسكو، طرابلس، لبنان، 2 فبراير 2023.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

تكشف المباني المهجورة في لبنان عن جانب أقل تناولاً من الأزمة الاقتصادية يتمثل في رأس مال ضخم خرج من دورة الإنتاج في بلد يعاني نقصاً حاداً في التمويل.

ففي اقتصاد خسر أكثر من 40% من ناتجه منذ 2019، بحسب تقديرات «البنك الدولي» (World Bank)، تتداخل الأبراج غير المكتملة والفنادق المغلقة والمرافق العامة المتضررة مع فجوة مصرفية تُقدَّر بنحو 70–80 مليار دولار تشير إليها تقارير «صندوق النقد الدولي» (IMF) وخطة التعافي الحكومية، إلى جانب انهيار في قيمة العملة تجاوز 98% منذ ذلك الحين.

أخبار ذات صلة

صور لافتات أمام مصرف لبنان في بيروت، لبنان، يوم 19 يناير 2024.

مصارف لبنان: السيولة غير كافية لخطة التعافي ومخاطر التعثّر قائمة

تآكل رأس المال بفعل الصدمات المتتالية

لم تتوقف الأزمة عند حدود تراجع الاستثمارات الجديدة، بل امتدت إلى تدمير جزء كبير من رأس المال القائم. فقد ألحق انفجار «مرفأ بيروت» أضراراً قُدّرت بنحو7 مليارات دولار في تقييم مشترك لـ«الأمم المتحدة» (UN) و«الاتحاد الأوروبي»، قبل أن تضيف الحرب الأخيرة خسائر وأضراراً بنحو 14 مليار دولار.

ومع تكرار هذه الصدمات، بقيت مواقع سياحية وثقافية وتجارية كبرى خارج الخدمة، بعضها منذ عقود. ولا تمثل هذه المواقع خسارة رمزية أو جمالية فقط، بل تعني فقدان تدفقات نقدية محتملة تشمل الوظائف والإنفاق السياحي والإيرادات الضريبية.

وتشير تقديرات «منظمة السياحة العالمية» إلى أن كل مليون دولار استثمار سياحي يمكن أن يوفر بين 30 و50 وظيفة مباشرة وغير مباشرة، ما يعني أن إعادة تشغيل عدد محدود من المواقع الكبرى قد يضيف مئات الوظائف خلال فترة قصيرة نسبياً في سوق عمل يعاني الهجرة وانكماش الفرص.

تعافي الاقتصاد من قاعدة أصغر

تشير أحدث التقديرات الدولية إلى أن الاقتصاد اللبناني بدأ يسجّل نمواً محدوداً بعد سنوات من الانكماش الحاد، إلّا أن هذا التحسّن يأتي من قاعدة منخفضة جداً بعدما تقلّص حجم الاقتصاد بشكل كبير وفقد جزءاً مهماً من قدرته الإنتاجية. ولا تزال القطاعات القادرة على توليد العملات الأجنبية تعمل بأقل من طاقتها، ما يبطئ وتيرة التعافي.

وتظهر السياحة بوصفها المثال الأوضح على هذا التراجع. فقد كانت تساهم بنحو 19% من الناتج قبل الأزمة، استناداً إلى بيانات «المجلس العالمي للسفر والسياحة» (WTTC)، قبل أن تنخفض مساهمتها بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق، يُظهر تقرير لـ«البنك الدولي» أن خسائر إيرادات السفر تجاوزت 1.2 مليار دولار خلال 2024 نتيجة تراجع أعداد الزوار وانخفاض معدلات الإشغال الفندقي وتقلّص إنفاق السياح، ما انعكس مباشرة على إيرادات الضيافة والنقل والمطاعم والأنشطة المرتبطة بالسفر.

ويكتسب هذا التراجع وزناً أكبر في اقتصاد يعتمد تاريخياً على الخدمات التي شكّلت أكثر من 80% من الناتج المحلي. وفي ظل هذا الهيكل الاقتصادي، ينعكس تعطّل السياحة والعقارات بسرعة على النمو وفرص العمل وتدفقات النقد الأجنبي.

فندق صوفر الكبير، محافظة جبل لبنان.
فندق صوفر الكبير، محافظة جبل لبنان. المصدر: رويترز

التمويل وإعادة تشغيل الأصول

يبدو تحويل هذه المواقع إلى مشاريع إنتاجية أمراً بديهياً نظرياً، إلا أن الواقع المالي يفرض قيوداً كبيرة. فقد أدى انهيار القطاع المصرفي إلى توقف الائتمان طويل الأجل اللازم لتمويل المشاريع العقارية والسياحية الكبرى، بينما يحدّ ارتفاع المخاطر السيادية من دخول الاستثمارات الأجنبية رغم اعتماد لبنان تاريخياً على تدفقات المغتربين ورؤوس الأموال الخليجية.

ويزيد غياب إطار واضح للشراكات بين القطاعين العام والخاص من تعقيد تحويل الأصول العامة إلى مشاريع تشغيلية، ما يترك أصولاً استراتيجية قائمة لكنها خارج دورة الاستثمار.

الأصول المهجورة فرصة استثمارية

لا يقتصر الأمر على مواقع منفردة بقدر ما يعكس فجوة أوسع في قطاعات كاملة بقيت خارج دورة الاستثمار. ففي طرابلس، يمتد مجمع «معرض رشيد كرامي الدولي» على مساحة 70 هكتاراً في موقع استراتيجي كان يُفترض أن يستقطب معارض وفعاليات إقليمية، في وقت تُقدَّر فيه صناعة المعارض والفعاليات عالمياً بأكثر من 30 مليار دولار سنوياً، وفق بيانات الاتحاد العالمي لصناعة المعارض (UFI).

وفي الضيافة، تعكس فنادق تاريخية ومشاريع سياحية متوقفة، مثل فندق «صوفر الكبير» (Grand Sofar Hotel) في جبل لبنان وفندق «هوليداي إن بيروت» (Holiday Inn Beirut)، حجم الطاقة غير المستغلة في بلد كان يوماً أحد أبرز وجهات السياحة في الشرق الأوسط. ويمكن لإعادة إحياء بعض هذه المواقع أن تعيد جزءاً من القدرة الاستيعابية للقطاع وتزيد إنفاق الزوار، الذي يُعد أحد أسرع مصادر النقد الأجنبي الممكنة.

أما في البنية التحتية، فيبرز مبنى «مؤسسة كهرباء لبنان» المتضرر مثالاً على مشاريع تحتاج استثمارات محدودة نسبياً مقارنة بحجم الخسائر في قطاع الطاقة، الذي يستنزف المالية العامة سنوياً بمليارات الدولارات. إعادة تأهيل مثل هذه المرافق لا تعني فقط استعادة أصول قائمة، بل تحسين بيئة الأعمال وخفض كلفة الإنتاج.

وتشير هذه النماذج مجتمعة إلى محفظة أوسع من الأصول غير المستغلة التي يمكن أن تتحول إلى رافعة نمو إذا ما توفرت آليات تمويل واستثمار مناسبة في اقتصاد يعاني شحّ رأس المال.

أخبار ذات صلة

 أوراق نقدية من الليرة اللبنانية في متجر لصرف العملات في بيروت، لبنان، يوم 5 يناير 2022.

استقرار مؤقت أم أزمة مقبلة؟ الليرة اللبنانية على المحك

إعادة الإعمار نافذة نمو محتملة

تضع تقديرات الجهات الدولية احتياجات إعادة الإعمار الأخيرة عند نحو 11 مليار دولار، وهو رقم يبدو كبيراً في اقتصاد يعاني عجزاً مالياً حاداً، لكنه يحمل في الوقت نفسه فرصة محتملة لتحفيز النشاط الاقتصادي.

وتُظهر تجارب دول خرجت من النزاعات أن إعادة الإعمار يمكن أن تتحول إلى قطاع نمو بحد ذاته عبر تحفيز الطلب على العمالة ومواد البناء والخدمات. وفي لبنان، يمكن لتحويل الأصول المهجورة إلى مشاريع تشغيلية عبر عقود تطوير أو صناديق استثمار عقاري أو شراكات مع القطاع الخاص أن يشكّل نقطة انطلاق لإعادة تنشيط دورة اقتصادية راكدة.

واقع الأصول المجمدة

يتركز الخطاب الاقتصادي اللبناني على الديون وسعر الصرف والقطاع المصرفي، لكن واقع الأصول غير المستغلة يطرح سؤالاً بنيوياً مختلفاً: كيف يمكن لاقتصاد يفتقر إلى التمويل أن يترك أصولاً بمواقع استراتيجية خارج الإنتاج لعقود؟.

وقد لا تحل إعادة إدماج هذه الأصول في الدورة الاقتصادية الأزمة بمفردها، لكنها قادرة على استعادة جزء من القدرة الإنتاجية المفقودة وتخفيف الضغط على المالية العامة وإيجاد فرص عمل يحتاجها الاقتصاد بشدة. وحتى تتوافر بيئة مالية مستقرة وإصلاحات تعيد جذب الاستثمار، سيبقى رأس المال المعطّل بانتظار العودة إلى دورة الاقتصاد.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف