
يبدو سعر صرف الليرة اللبنانية، اليوم، ثابتاً بشكل يثير الاطمئنان للوهلة الأولى، لكن خلف هذا الهدوء، تتراكم عوامل ضغط تجعل الاستقرار الحالي أقرب إلى هدنة مؤقتة منه إلى نقطة تحوّل في مسار الأزمة.
فبعد واحد من أعنف انهيارات العملات في التاريخ الاقتصادي الحديث، استقر سعر الصرف قرب 89,500 ليرة أمام الدولار، وهو مستوى يوحي ظاهرياً بأن مرحلة الفوضى النقدية قد انتهت. غير أن هذا الاستقرار لم يولد من تعافٍ اقتصادي أو عودة الثقة، بل من سياسات انكماشية استثنائية قيّدت الإنفاق، وامتصّت السيولة ودفعت الاقتصاد إلى حالة من الشلل المالي.
وتشير مقاربة المؤسسات الدولية للأزمة اللبنانية إلى أن هذا التوازن «هش بطبيعته»، وأن استدامته مشروطة بإصلاحات مالية ومصرفية عميقة، وتوحيد سعر الصرف. وفي غياب هذه الإصلاحات، تتزايد مخاطر أن يتحول الاستقرار الحالي إلى محطة مؤقتة تسبق خفضاً ثانياً، وربما أكثر إيلاماً، في قيمة العملة.
انفجرت الأزمة المالية في لبنان العام 2019، عندما انهار النموذج الاقتصادي القائم على تراكم الديون، وتمويل الدولة عبر القطاع المصرفي. ومع إعلان التخلف عن سداد الديون السيادية، تفكك ربط العملة الذي استمر عقوداً عند 1,500 ليرة للدولار، وبدأت العملة مسار انهيار متسارع.
ولم يكن ما حدث مجرد انخفاض تدريجي في سعر الصرف، بل انهيار متعدد الموجات أطاح بالقدرة الشرائية وأدخل الاقتصاد في انكماش عميق. وقد وصف «البنك الدولي» (World Bank) الأزمة اللبنانية بأنها من بين أشد الأزمات الاقتصادية عالمياً منذ منتصف القرن التاسع عشر، ما يضعها خارج نطاق الأزمات الدورية المعتادة، وداخل نطاق الانهيارات الهيكلية العميقة.
لكن بدل الانتقال إلى مسار إصلاحي شامل، دخل الاقتصاد مرحلة مختلفة: احتواء الانهيار بدل معالجته.
لم يأتِ استقرار سعر الصرف نتيجة إصلاحات مالية أو إعادة هيكلة مصرفية، بل نتيجة سياسة ضغط مالي غير مسبوقة تمثلت في شبه تجميد للإنفاق العام.
فقد جرى خفض الإنفاق الحكومي إلى الحد الأدنى، وتراجع الاستثمار العام إلى مستويات شبه معدومة، بينما تعمل المؤسسات الحكومية بقدرات تشغيلية محدودة. وتربط تقارير «البنك الدولي» بين هذا المسار وتدهور الخدمات الأساسية وتراجع قدرة الدولة على القيام بوظائفها الاقتصادية.
هذه السياسة خففت الضغوط الفورية على العملة، لكنها أوجدت شكلاً من الاستقرار قائماً على الانكماش، حيث تم دعم سعر الصرف عبر تقليص دور الدولة الاقتصادي بدل إصلاحه.
لعب «مصرف لبنان» دوراً محورياً في تثبيت سعر الصرف عبر امتصاص السيولة المحلية. فالضرائب تُجبى بالليرة، في حين يبقى الإنفاق الحكومي محدوداً.
وتشير تقديرات مالية محلية وتحليلات اقتصادية إلى تراكم أرصدة كبيرة بالليرة في «الحساب 36» لدى «مصرف لبنان» تُقدّر بما يعادل نحو 6 مليارات دولار. هذا التراكم يعكس قدرة الدولة على سحب السيولة من الاقتصاد، لكنه يوضح أيضاً عجزها عن إعادة ضخها.
ويظهر مسار السياسات النقدية والمالة يالذي يرسمه «صندوق النقد الدولي» (IMF) أن امتصاص السيولة عبر تقليص الإنفاق العام لا يُعد حلاً دائماً بقدر ما هو أداة لشراء الوقت. فعندما تضطر الدولة إلى إعادة توسيع إنفاقها، ستعود هذه الكتلة النقدية سريعاً إلى التداول. وفي اقتصاد تراجعت فيه الثقة بالعملة المحلية، يتحول أي تدفق مفاجئ لليرة غالباً إلى طلب فوري على الدولار، ما يعيد الضغوط إلى سوق الصرف.
رغم استقرار سعر السوق، لا يزال نظام سعر الصرف في لبنان مجزأً. فالمصارف تدفع الودائع وفق سعر سحب يبلغ 15,000 ليرة للدولار، بينما يتداول السوق قرب 89,500.
هذا الفارق يعني عملياً أن المودعين يستعيدون أقل من خُمس القيمة الحقيقية لمدخراتهم. وفي جوهر خارطة الطريق التي يطرحها «صندوق النقد» لإعادة الاستقرار المالي، يبرز توحيد سعر الصرف كخطوة تأسيسية لا يمكن تجاوزها، إذ إن استمرار تعدد الأسعار بات يُقرأ كدليل على أزمة مصرفية لم تُحسم بعد أكثر منه أداة سياسة نقدية.
كما ترى تقارير وكالة «فيتش» (Fitch) للتصنيف الائتماني أن غياب إعادة هيكلة القطاع المصرفي يبقي المخاطر النقدية مرتفعة، ويؤخر استعادة الثقة بالنظام المالي.
في موازاة ذلك، انتقل الاقتصاد اللبناني إلى الاعتماد على الدولار، ويشير «معهد التمويل الدولي» (IIF) إلى أن لبنان أصبح من أكثر الاقتصادات دولرة، حيث تُسعّر الأسعار والأجور والعديد من المعاملات بالدولار.
وبقيت الليرة مستخدمة أساساً في القطاع العام لدفع الرواتب وجباية الضرائب، ما قلّص دورها إلى ما يشبه «وحدة إدارية» أكثر من كونها عملة تبادل فعلية. هذا التحول جعل استقرار سعر الصرف هشاً بطبيعته، إذ يعتمد على القيود لا على الثقة الاقتصادية.
عملياً، أعاد لبنان ضبط سعر صرف عملته من 1,500 إلى 89,500 ليرة للدولار من دون تأسيس قاعدة مالية أو مؤسسية تدعم أي نظام سعر صرف مستقر.
وتجمع المؤسسات الدولية على فكرة أساسية؛ أن تأجيل الإصلاحات المالية والمصرفية يزيد كلفة التصحيح، ويؤخر التعافي الاقتصادي، بينما تحذّر وكالات التصنيف من أن غياب الإصلاحات يبقي مخاطر انخفاض جديد في قيمة العملة مرتفعة.
ومع استمرار تدهور البنية التحتية، وتراجع قدرة الدولة، يصبح الاستقرار الحالي أكثر هشاشة بمرور الوقت.
لا يعكس استقرار سعر الصرف في لبنان تعافياً اقتصادياً، بل نجاحاً مؤقتاً في احتواء الضغوط النقدية عبر سياسات انكماشية قاسية.
ومن دون إصلاحات تشمل إعادة هيكلة المصارف، وتطبيع المالية العامة، وتوحيد سعر الصرف، تبقى مخاطر خفض جديد لقيمة الليرة مرتفعة. فالهدوء النقدي في لبنان ليس نهاية القصة، بل هو فصل جديد في أزمة لم تصل بعد إلى تسويتها الاقتصادية الحقيقية.