logo
اقتصاد

50 مليار دولار على الطاولة.. هل ينقذ احتياطي الذهب اقتصاد لبنان؟

يحتفظ مصرف لبنان بنحو 286 طناً من الذهب

حظر لبنان بيع الذهب عام 1986 خلال الحرب الأهلية لحماية أصول الدولة

50 مليار دولار على الطاولة.. هل ينقذ احتياطي الذهب اقتصاد لبنان؟
سبيكة ذهب معروضة داخل متحف العملات في مصرف لبنان، بيروت، 6 نوفمبر 2014.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

يعيد لبنان طرح واحد من أكثر أسئلته المالية حساسية مع ارتفاع أسعار المعادن النفيسة عالمياً، في وقت يتجدد فيه الجدل حول ما إذا كان يمكن لاحتياطيات الذهب الضخمة أن تسهم في إنقاذ اقتصاد لا يزال يعاني آثار الانهيار المالي.

ويملك لبنان أحد أكبر مخزونات الذهب في الشرق الأوسط، في مفارقة لافتة لاقتصاد يعاني انهياراً مالياً عميقاً، ما يضعه في موقع فريد يجمع بين أصل سيادي ضخم ونظام مالي شبه معطل وثقة متآكلة بالمؤسسات.

يأتي النقاش اللبناني في وقت يشهد فيه الذهب عودة قوية إلى قلب النظام المالي العالمي، فقد أظهر تقرير «مجلس الذهب العالمي» (World Gold Council) أن البنوك المركزية تواصل شراء الذهب بوتيرة قياسية للعام الثالث على التوالي، في أكبر موجة شراء منذ عقود، بينما يرى «بنك التسويات الدولية» (BIS) أن هذا التحول يعكس ميلاً متزايداً إلى تقليل الاعتماد على العملات الرئيسية والعودة إلى الأصول الملموسة في زمن عدم اليقين.

أخبار ذات صلة

مقر مصرف لبنان المركزي في العاصمة بيروت يوم 25 أغسطس 2023

«ستاندرد آند بورز» ترفع تصنيف لبنان للعملة المحلية إلى«+CCC»

احتياطي لم يُمس رغم الحروب والأزمات

دخل لبنان عام 2026 وسط تضخم مستمر، وتدهور في الخدمات العامة، وغياب إصلاحات جوهرية لمعالجة الفساد واستعادة الاستقرار المالي. وأدّى انهيار القطاع المصرفي منذ أواخر 2019 إلى تبخّر مدّخرات المودعين ودفع نحو نصف السكان، نحو 6.5 مليون نسمة، إلى دائرة الفقر. وتُقدَّر خسائر القطاع المالي بنحو 70 مليار دولار، إضافة إلى نحو 11 مليار دولار نتيجة حرب 2024.

وسط هذا الواقع، عاد التركيز إلى احتياطيات الذهب التي لم تُستخدم منذ عقود. إذ يحتفظ مصرف لبنان بنحو 286 طناً من الذهب، ما يقارب تسعة ملايين أونصة، تراكمت منذ ستينيات القرن الماضي، ليأتي في المرتبة الثانية إقليمياً بعد السعودية.

وقد اقتربت قيمة هذه الاحتياطيات من 50 مليار دولار مع بلوغ الذهب مستويات قياسية تجاوزت 5300 دولار للأونصة قبل أن يتراجع دون 5000 دولار. وجاء هذا الارتفاع مدفوعاً بالتوترات الجيوسياسية وتوقعات خفض الفائدة الأميركية وشراء البنوك المركزية للذهب بوتيرة مرتفعة، فيما ارتفعت أسعار الفضة أيضاً بفعل الطلب الصناعي وجاذبية سعرها الأقل مقارنة بالذهب.

تشير تقديرات «صندوق النقد الدولي» (IMF) في أحدث تحديثاته لاقتصادات الشرق الأوسط إلى أن لبنان يواجه واحدة من أعمق الأزمات المالية عالمياً منذ منتصف القرن الماضي، مع فجوة مصرفية تتجاوز حجم الاقتصاد نفسه. كما يؤكد «البنك الدولي» (World Bank) أن الاقتصاد اللبناني لا يزال في مرحلة انكماش عميق، مع استمرار تدهور القدرة الشرائية والخدمات العامة، ما يحد من قدرة أي أصول مالية على إحداث تحول اقتصادي دون إصلاحات هيكلية شاملة.

محل مجوهرات بالعاصمة اللبنانية بيروت، يوم 25 نوفمبر 2009
محل مجوهرات بالعاصمة اللبنانية بيروت، يوم 25 نوفمبر 2009 المصدر: أ ف ب

جدل متجدد حول استخدام الذهب

أعاد صعود الأسعار إحياء جدل قديم حول ما إذا كان ينبغي استخدام جزء من الاحتياطيات للمساعدة في سد الفجوة المالية وتعويض المودعين الذين فقدوا مدخراتهم خلال الأزمة المصرفية.

وتوضح مقترحات داخل القطاع المصرفي إلى إمكانية استخدام جزء من الذهب لدعم إعادة هيكلة المصارف ورد جزء من أموال المودعين، ما يعني عملياً توظيف أهم أصل سيادي للدولة في تخفيف الخسائر.

غير أن هذه الخطوة تصطدم بعقبات قانونية وتاريخية. فقد حظر لبنان بيع الذهب عام 1986 خلال الحرب الأهلية لحماية أصول الدولة، ولم تُمس هذه الاحتياطيات منذ ذلك الحين رغم الحروب والأزمات المتلاحقة. كما أن أي استخدام للذهب يتطلب موافقة البرلمان، وهو خيار يُعد غير مرجح سياسياً في المدى القريب، خصوصاً في ظل اقتراب الانتخابات واستمرار الخلافات حول توزيع الخسائر بين الدولة والمصارف والمودعين.

يأتي هذا الجدل في وقت لا يزال فيه مشروع قانون الفجوة المالية، الذي يهدف إلى تحديد آلية توزيع الخسائر بين الدولة والمصارف والمودعين، عالقاً في البرلمان بسبب الخلافات حول تحمّل المسؤوليات.

وتحذر تقارير صادرة عن مؤسسات استشارية دولية مثل «ماكنزي» (McKinsey) و«أوليفر وايمان» (Oliver Wyman) من أن استخدام الأصول السيادية لإنقاذ الأنظمة المصرفية دون إصلاحات عميقة غالباً ما يؤدي إلى استنزاف الموارد من دون استعادة الاستقرار المالي، ما يعزز المخاوف من أن تسييل الذهب قد يوفر حلاً مؤقتاً فقط دون معالجة جذور الأزمة.

أخبار ذات صلة

وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني، عامر بساط، يتحدث إلى «إرم بزنس»، في مقابلة على هامش القمة العالمية للحكومات في دبي، 3 فبراير 2026.

وزير الاقتصاد اللبناني لـ«إرم بزنس»: بدأنا صفحة جديدة مع المستثمرين

الذهب بين الحل السريع والإصلاح الصعب

يرى بعض الاقتصاديين أن استخدام نسبة محدودة من الذهب، بالتوازي مع إصلاحات شاملة، قد يساعد في إنعاش قطاعات حيوية مثل الكهرباء والتعليم والصحة.

وتبقى الثقة الشعبية ضعيفة، إذ أدّت سنوات من تعثّر الإصلاحات واتهامات الفساد إلى تشكيك واسع في قدرة الدولة على إدارة الأصول العامة، فيما يرى كثير من اللبنانيين أن الذهب يجب أن يبقى مخزوناً للأجيال المقبلة لا حلاً سريعاً للأزمة. 

أخبار ذات صلة

النائبة اللبنانية بولا يعقوبيان خلال حديث مع «إرم بزنس».

بولا يعقوبيان: قانون «الفجوة المالية» يثير غضب أصحاب المصالح في لبنان

المواطنون يتجهون إلى الذهب والفضة

في موازاة النقاش الرسمي، يتجه اللبنانيون أنفسهم إلى شراء الذهب والفضة كوسيلة حماية في اقتصاد نقدي يعاني التضخم وقيود المصارف. وتشهد متاجر المعادن النفيسة في بيروت إقبالاً متزايداً على شراء العملات والسبائك، مع دفع بعض المشترين مقدماً بسبب ارتفاع الطلب.

ويتقاطع هذا السلوك مع اتجاه عالمي أوسع؛ إذ يظهر «مؤشر إيدلمان للثقة» (Edelman Trust Barometer) لعام 2026 تراجع الثقة بالمؤسسات المالية، ما يدفع الأفراد إلى تفضيل الأصول الملموسة. وفي لبنان، يتضاعف هذا الاتجاه بفعل القيود المصرفية وفقدان الوصول إلى المدخرات، ما يجعل الذهب بالنسبة لكثيرين الملاذ الوحيد للحفاظ على القيمة.

رمز للأمان المالي والهوية الاقتصادية

تكشف حساسية النقاش حول الذهب عن مكانته العميقة في الوعي الاقتصادي والنفسي للبنانيين. فهو بالنسبة للدولة أحد آخر الأصول القادرة نظرياً على دعم الاستقرار المالي، وبالنسبة للمواطنين رمز للأمان في بلد شهد مراراً التضخم والصراعات والانهيارات المالية.

ومع اقتراب الانتخابات واستمرار تعثر الإصلاحات، يبدو أن حسم مسألة استخدام الذهب لن يحدث قريباً. لكن عودة النقاش بحد ذاتها تعكس حجم الأزمة المالية وصعوبة الخيارات التي تنتظر لبنان في السنوات المقبلة.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف