
يعيش العالم التجاري حالة من القلق بعد أن بدأت المحكمة العليا الأميركية التشكيك في استخدام الرئيس الأميركي دونالد ترمب لصلاحياته الواسعة لفرض رسوم جمركية شاملة، ما يضع الشركات والمستوردين أمام أشهر من الغموض وعدم اليقين بشأن مستقبل هذه الرسوم.
وبحسب بلومبرغ، يطال هذا الغموض أيضاً شركاء الولايات المتحدة التجاريين — سواء الدول التي وقّعت بالفعل اتفاقات تجارية معها أو تلك التي لا تزال في مرحلة المفاوضات — مع تزايد التوقعات بأن ترامب سيبحث عن بدائل قانونية أخرى لفرض ضرائب على الواردات إذا تم الحكم بعدم دستورية استخدامه لقانون «الصلاحيات الاقتصادية الطارئة» الصادر عام 1977.
تعد الصين والهند والبرازيل من أبرز الدول المستهدفة برسوم ترامب، فيما جاءت سويسرا ضمن قائمة مفاجئة من المتأثرين أيضاً.
وتشير تقديرات «بلومبرغ إيكونوميكس» إلى أن صدور حكم ضد ترامب قد يخفض متوسط الرسوم الفعلية الأميركية إلى 6.5%، وهو أدنى مستوى منذ إعلان ترامب عن «تعريفات يوم التحرير» في أبريل الماضي.
واتفق الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والصيني شي جينبينغ مؤخراً على خفض الرسوم الجمركية المتبادلة بنسبة 10% وتعليق رسوم أخرى لعام كامل، ما وفر هامشاً من الاستقرار المؤقت للشركات.
لكن مراقبين يؤكدون أن التوتر بين القوتين الاقتصاديتين سيبقى قائماً، إذ قال الخبير الاقتصادي في بنك «ناتيكسيس» ترينه نغوين: «التوتر بين الولايات المتحدة والصين ليس مجرد حدث عابر، بل اتجاه طويل الأمد، ويتطلب من الشركات تنويع سلاسل التوريد».
ورغم تغطية مكثفة من الإعلام الصيني لجلسات المحكمة الأميركية، يرى باحثون صينيون أن من غير المرجح أن توقف المحكمة العليا سياسات ترامب بالكامل، خاصة في ظل نفوذه التنفيذي الواسع.
في المقابل، شهدت تايوان ارتفاعاً كبيراً في صادراتها إلى الولايات المتحدة بفضل طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنها لن تتأثر كثيراً بالحكم المرتقب، إذ إن المعدات التقنية المتقدمة معفاة من الرسوم الأميركية.
أما اليابان وكوريا الجنوبية، فستبقيان على اتفاقاتهما التجارية مع واشنطن، بحسب محللين في «غولدمان ساكس»، الذين أوضحوا أن الولايات المتحدة ستواصل فرض رسومها وفق صلاحيات أخرى، لكن ذلك سيخلق موجة جديدة من عدم اليقين في الأسواق.
فيما قد تتأثر دول مثل فيتنام وتايلاند بشكل أكبر، إذ ازدهرت صادراتها مؤخراً نتيجة سعي الشركات لتجنب الرسوم الأميركية. ومع احتمال خفض أو إلغاء تلك الرسوم، قد تتدفق المزيد من البضائع نحو الأسواق الأميركية.
لكن التبعات غير واضحة بعد، إذ تمثل الرقائق الإلكترونية جزءاً كبيراً من هذه الصادرات وهي معفاة حالياً، إلا أن ترامب لمّح مؤخراً إلى إمكانية فرض رسوم تصل إلى 300% على منتجات أشباه الموصلات.
إلى ذلك، تتفاوض الهند مع الولايات المتحدة لخفض رسوم جمركية مرتفعة تصل إلى 50%، كانت واشنطن قد فرضتها على خلفية مشتريات نيودلهي من النفط الروسي.
وبحسب بلومبرغ، يؤكد مسؤولون هنود أن الحكم المحتمل لن يغيّر كثيراً من مسار المحادثات، لأن الإدارة الأميركية قد تستخدم أدوات تنفيذية أو حواجز غير جمركية لتحقيق أهدافها التجارية.
ويرى المفاوضون الهنود أن أي حكم ضد ترمب سيعزز موقفهم للمطالبة باتفاق متوافق مع قواعد منظمة التجارة العالمية وملزم قانونيًا، ما يمنح الهند قوة تفاوضية أكبر.
أما في أوروبا، توصلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق تجاري في يوليو نص على رفع واشنطن الرسوم إلى 15% على معظم السلع الأوروبية بما في ذلك السيارات، مقابل خفض بروكسل لبعض الرسوم على السلع الأميركية الصناعية والمنتجات الزراعية غير الحساسة.
لكن الاتفاق واجه انتقادات أوروبية واسعة وُصف فيها بأنه «غير متوازن»، حيث أبقى على الرسوم العقابية المفروضة على الصلب والألومنيوم.
وتضغط المفوضية الأوروبية حالياً على إدارة ترمب لتخفيض الرسوم البالغة 50% على صادرات المعادن، محذّرة من توسعها لتشمل منتجات أخرى.