السعودية.. حاسوب صناعي بسعة 200 كيوبت لتعزيز الإنتاج والمحاكاة

تقف دول العالم الصناعية عند بداية ثورة جديدة عنوانها الحوسبة الكمّية والاستشعار الكمّي والأمن الكمّي. فبعد عقود من الأبحاث النظرية، بدأت التقنيات تغادر المختبرات لتدخل البيئات الإنتاجية الحقيقية، وتغيّر الطريقة التي تُصمَّم بها المنتجات وتُدار بها المصانع وتُؤمَّن بها سلاسل التوريد.
وحذّر تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) أنّ الشركات التي تتباطأ في تبنّي هذا التحوّل قد تجد نفسها خارج المنافسة، إذ تتجه الاقتصادات المتقدمة نحو بناء بنى تحتية «جاهزة للكمّ» تعتمد على المعالجة فائقة القدرة والاستشعار بالغ الدقة، ما سيؤدي إلى إعادة توزيع الثقل الصناعي والتقني عالمياً.
ووصف المنتدى هذه اللحظة بأنها «الضرورة الكمّية»، أي لحظة الانتقال من التفكير التجريبي إلى العمل التنفيذي، حيث لم تعد التقنيات الكمّية ترفاً بحثياً بل أداة استراتيجية تمكّن الشركات من التعامل مع تعقيدات متزايدة في سلاسل الإمداد وتهديدات سيبرانية متصاعدة.
أشار التقرير إلى أن الاضطرابات في سلاسل التوريد العالمية ارتفعت بنسبة 38% عام 2024، ما يعكس هشاشة النظام الصناعي الحالي وحاجته إلى أدوات جديدة تتجاوز قدرات الحوسبة الكلاسيكية. وأكد أن المؤسسات التي تبدأ مبكراً في تبنّي الحلول الكمّية ستكون الأقدر على الصمود أمام تقلبات الأسواق والمخاطر الأمنية في العقد المقبل.
كما كشف عن سلسلة من المشاريع التي تبرهن على الانتقال من النظرية إلى التطبيق. فشركة «بوينغ» (Boeing) استخدمت المحاكاة الكمّية لدراسة تآكل المعادن خفيفة الوزن في الطائرات، ما أدى إلى تقليص زمن الحوسبة بنسبة تصل إلى خمسةٍ وثمانين في المئة.
كما نجحت «فورد أوتوسان» (Ford Otosan) التركية في استخدام خوارزميات هجينة تجمع بين الحوسبة الكلاسيكية والكمّية لتخطيط إنتاج آلاف الطرازات من المركبات، ما خفّض زمن الجدولة إلى النصف.
أما في «ميناء لوس أنجلوس»، فقد ساعدت تقنيات التحسين الكمّي في تقليل استخدام الرافعات بنسبة أربعين في المئة، وخفّضت فترات انتظار الشاحنات بما يصل إلى ساعتين، وهي نتائج تترجم عملياً الإمكانات التي يمكن أن تحققها الأنظمة الهجينة في إدارة الموارد.
كما استعرض التقرير تطبيقاتٍ متقدمة في مجال أشباه الموصلات، إذ استخدمت شركات مثل شركة «تايوان لتصنيع أشباه الموصلات» (TSMC) مستشعرات كمّية مصنوعة من الألماس للكشف عن العيوب النانوية في الرقائق الدقيقة، ما ساعد في تحسين جودة الإنتاج وخفض نسب الفاقد.
ويرى المنتدى أن هذه النماذج الصناعية تمثل مؤشرات واضحة على اقتراب مرحلة «التأثير الكمّي» التي سيتحول فيها الكمّ إلى عنصر أساس في الابتكار الصناعي.
أشار التقرير إلى أن التحوّل لا يقتصر على الإنتاج المادي، بل يمتد إلى الأمن السيبراني والبنى التحتية الرقمية التي تعتمد عليها المصانع الحديثة. فأنظمة التشفير التقليدية، المعتمدة على مفاتيح رياضية يمكن كسرها مستقبلاً بواسطة حواسيب كمّية قوية، أصبحت مصدر قلق استراتيجي.
نتيجة لذلك، بدأت شركات مثل «إن إكس بي سيميكوندكترر» (NXP Semiconductors) و«دينسو كوربوريشن» (Denso Corporation) في دمج تقنيات التشفير الآمن ما بعد الكمّ في تحديثات البرمجيات الصناعية، بما يضمن سلامة الاتصالات والعمليات حتى في بيئات الإنتاج الموزّعة عالمياً.
وأبرزت الورقة نماذج متقدمة مثل تجربة «ميناء روتردام» الذي أنشأ شبكة ألياف بصرية تعتمد على توزيع المفاتيح الكمّية (QKD) لتأمين الاتصالات بين مراكز التحكم، وكذلك تجربة القوات الجوية الأميركية التي استخدمت مجسّات مغناطيسية كمّية للملاحة من دون الاعتماد على «أنظمة تحديد المواقع» (GPS)، ما يفتح الباب أمام جيل جديد من النقل الذكي والملاحة الآمنة.
تمنح هذه التطورات بُعداً خاصاً للدول العربية، خصوصاً في الخليج، التي تسعى إلى تنويع اقتصاداتها وتطوير صناعاتها المتقدمة. فالمملكة العربية السعودية أعلنت عن شراكة مع الشركة الفرنسية «باسكال» (Pasqal) لإنشاء أول حاسوب كمّي في المنطقة بسعة 200 كيوبِت لتسريع عمليات المحاكاة الصناعية وتحسين إنتاج الطاقة.
كما أطلقت «مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية» تحالف «الشبكة الكمّية السعودية» (SQN) لتطوير البنية التحتية للأمن الكمّي والاتصالات المشفّرة.
وفي الإمارات العربية المتحدة، يعمل «معهد الابتكار التكنولوجي» في أبوظبي على تطوير معالجات كمّية وبناء مركز بحوث متخصص في الحوسبة الكمّية، إلى جانب تجارب لتطبيق شبكات توزيع المفاتيح الكمّية في المناطق المالية الحساسة داخل «سوق أبوظبي العالمي».
وترى مؤسسات البحث الدولية أن هذه الخطوات تمثل بدايات مسار جديد سيجعل من المنطقة لاعباً فاعلاً في سباق التكنولوجيا الكمّية، خصوصاً في قطاعات الطاقة، والخدمات اللوجستية، والتصنيع المتقدّم، التي تعدّ ركائز أساسية لاقتصادات الخليج.
اختتم «المنتدى الاقتصادي العالمي» تقريره بالتنبيه إلى ضرورة الموازنة بين الطموح والواقعية، إذ لا تزال الأجهزة الكمّية محدودة في قدرتها واستقرارها، وتحتاج الخوارزميات إلى مزيد من التطوير حتى تتمكن من معالجة الأحمال الصناعية الكبرى.
ومع ذلك، فإن تجاهل هذا المسار يعني المخاطرة بالتخلف عن سباق تكنولوجي سيعيد تعريف الصناعة والأمن والاقتصاد خلال العقد القادم.
وأكد أن الثورة الكمّية ليست احتمالاً بعيداً، بل فرصة آنية تتطلب قرارات تنفيذية واستثمارات مدروسة. فالشركات التي تبدأ اليوم في بناء القدرات الكمّية وتطوير البنى التحتية والتدريب ستكون هي التي ترسم ملامح المشهد الصناعي للعالم في المستقبل، بينما سيتحول التردد إلى عائق استراتيجي في زمن تتسارع فيه التقنيات على نحو غير مسبوق.