logo
اقتصاد

بورصة تونس.. هل تتحول إلى قاطرة للاقتصاد رغم العقبات؟

حديدان: قيمة سوقية محدودة تكشف ضعف الجاذبية الاستثمارية

الكسراوي: تبسيط الإدراج مفتاح مشاركة الشركات الصغيرة والمتوسطة

تنويع القطاعات هو المدخل الحقيقي لإحياء البورصة

بورصة تونس.. هل تتحول إلى قاطرة للاقتصاد رغم العقبات؟
مبنى بورصة تونس في تونس العاصمة، يوم 9 أكتوبر 2018.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

منذ تأسيسها في فبراير 1969، شكّلت بورصة تونس مرآة للاقتصاد الوطني، لكنها بقيت رهينة دور ثانوي لم يواكب طموحات النمو. واليوم، ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية، تطرح السوق المالية نفسها كخيار استراتيجي لإنعاش الاقتصاد، وسط رهانات كبرى بين محدودية السيولة من جهة، وإمكانات واعدة قد تجعلها قاطرة استثمارية حقيقية من جهة أخرى.

وحلّت بورصة تونس في المرتبة الرابعة في قائمة الأسواق العربية من حيث الأداء في الربع الثاني من سنة 2025، إذ سجلت ارتفاعاً بنسبة 5.5%، حسب النشرة الفصلية لأسواق الأوراق المالية العربية للربع الثاني التي أصدرها صندوق النقد العربي، إذ شهدت تحسناً على مستوى القيمة السوقية بقيمة بلغت 792 مليون دينار (273.58 مليون دولار).

يضم مؤشر البورصة الرئيسي «TUNINDEX» حالياً 75 شركة مدرجة بعد إدراج شركة تأمينات البنك الوطني الفلاحي في 14 أغسطس، فيما تصل القيمة السوقية إلى 26 مليار دينار (9 مليارات دولار)، أي ما يُقدّر بنحو 16% من الناتج المحلي الإجمالي.

قيمة سوقية محدودة

بحسب الخبير الاقتصادي، معز حديدان، في حديث مع «إرم بزنس»، فإن هذا الرقم محدود إذا ما قورن بحجم الاقتصاد الوطني، ويكشف عن ضعف الجاذبية الاستثمارية للسوق بالمقارنة بتوجه التونسيين نحو البنوك بغرض الادخار والاستثمار المضمون.

يرى حديدان أن الشركات المدرجة لا تمثل سوى شريحة ضيقة من النسيج الاقتصادي المحلي، الذي تهيمن عليه الشركات العائلية والقطاع غير الرسمي.

وارتفعت العائدات الإجمالية للشركات المدرجة في بورصة تونس والمصرّحة بنتائجها المالية للنصف الأول من عام 2025 بنسبة 5.9% على أساس سنوي، لتصل إلى نحو 12.8 مليار دينار تونسي (4.1 مليار دولار)، بحسب تقرير رسمي صادر عن بورصة تونس.

فيما سجّل القطاع المالي، الذي يضم 28 شركة مدرجة، مداخيل إجمالية بلغت 4.8 مليار دينار خلال الفترة نفسها.

كما حققت البنوك الـ12 المدرجة في البورصة ناتجاً بنكياً إجمالياً ناهز 3.6 مليار دينار، ما يعكس استقراراً نسبياً في أداء القطاع المصرفي رغم التحديات الاقتصادية.

إمكانات التطوير

رغم المؤشرات الإيجابية التي حققتها البورصة في العام 2024، فإنها ما زالت دون المأمول، خاصة وأن هناك العديد من الإمكانات المتاحة لتطوير نشاطها أكثر وتنويع منتجاتها المالية واستقطاب المستثمرين والمؤسسات، وهذا ما أكده المدير العام للبورصة بلال سحنون، في تصريح إذاعي، موضحاً أن البورصة تعمل على تطوير الموارد المالية غير البنكية التي تحتاجها المؤسسات.

أخبار ذات صلة

إنتاج الفوسفات في منجم جنوب مدينة قفصة، أحد المواقع الرئيسة لاستخراج الفوسفات في وسط تونس، 9 مارس 2018.

فوسفات تونس.. «كنز معطل» في معركة إنقاذ الاقتصاد

سحنون أضاف أن هناك إمكانية كبرى للرفع من مساهمة السوق المالية في تمويل الاقتصاد من خلال تحديد أسباب عدم لعب دورها كما يجب للوصول إلى مستوى طيب في هذا المجال.

أوضح أن المطلوب هو إعادة النظر في التشريعات المتعلقة بالسوق المالية، لا سيما وأن قانون عام 1994 لدى صدوره كان ثورياً في إفريقيا والمنطقة العربية، لكنه الآن تجاوز الزمن وأصبح تقليدياً.

عقبات النمو

مع التقدم في مؤشرات البورصة، لا تزال هناك تحديات تواجه السوق، حسبما يقول الخبير الاقتصادي معز حديدان، فالتحديات التي تواجه السوق متعددة، وأبرزها مشكلة ضعف السيولة، إذ يجد المستثمرون صعوبة في بيع أصولهم بسرعة وبأسعار عادلة، وهو ما ينعكس على أحجام التداول اليومية التي تظل متذبذبة ومتواضعة.

هذا السياق لا ينفصل عن الوضع الاقتصادي العام للبلاد، فبحسب المعهد الوطني للإحصاء، فإن الاقتصاد التونسي سجل نمواً بنسبة 2.4% في النصف الأول من عام 2025، ورغم محدودية هذا النمو، فإنه قد يوفر متنفساً للأسواق المالية إذا ما استُثمر في تعزيز مناخ الاستثمار، وفق حديدان.

إنعاش السوق

إزاء هذه التحديات، يطالب الخبير الاقتصادي التونسي وليد الكسراوي، خلال حديثه مع «إرم بزنس»، بوضع استراتيجيات جديدة لتقوية دور البورصة الاقتصادي، أولها تبسيط إجراءات الإدراج لفتح الباب أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة، بعد أن كانت شروط القيد في السوق الرئيسية صارمة وتشترط أرباحاً متتالية ورأسمال مرتفعاً.

هذا، بالإضافة إلى العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية عبر حملات ترويجية دولية، وتطوير منتجات مالية جديدة مثل الصناديق المتداولة في البورصة «ETFs» والصكوك الإسلامية، وطرح السندات الحكومية، إلى جانب تعزيز معايير الحوكمة والشفافية لزيادة ثقة المستثمرين.

قطاعات واعدة

على صعيد القطاعات الواعدة، يشير الكسراوي إلى مجالات يمكن أن تصبح محركات نمو مستقبلية، فـقطاع التكنولوجيا والشركات الناشئة، خاصة في مجالات التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي، يمتلك إمكانات ضخمة إذا ما أُدرجت هذه الشركات في السوق.

كما أن القطاع المالي والمصرفي، رغم حضوره التقليدي، ما زال يملك هوامش توسع مهمة مع التحول الرقمي. وبالنسبة لقطاع الطاقة المتجددة، فإن إمكانات تونس في الطاقة الشمسية والرياح قد تجعل منه قطاعاً استراتيجياً قادراً على جذب استثمارات ضخمة.

أخبار ذات صلة

مواطن على دراجة عند غروب الشمس في تونس، 1 أغسطس 2021.

التضخم يتراجع والدينار يتحسن.. هل يكفي ذلك لإنعاش الاقتصاد التونسي؟

كذلك قطاع الصناعات الغذائية والزراعية، الذي يمكن أن يشكل دعامة قوية بالنظر إلى موقع تونس كمصدر رئيسي لمنتجات البحر والزيتون والتمور.

يؤكد الكسراوي أن تنويع القطاعات هو المدخل الحقيقي لإحياء البورصة، داعياً إلى جذب شركات من صناعات المستقبل مثل الدواء والرقمنة والطاقة المتجددة، لأنها قادرة على ضخ دماء جديدة وجلب استثمارات أجنبية مباشرة.

البورصة والتمويل

يُعتبر تمويل الاقتصاد من أهم الأدوار الموكلة لبورصة تونس للأوراق المالية حتى تساهم في تمويل مختلف الأنشطة الاقتصادية وتوفير السيولة وخلق الثروة، وعدم الاقتصار على التمويل البنكي الذي يرتكز عليه الاقتصاد التونسي.

لا تقتصر أهمية البورصة على كونها سوقاً لتداول الأسهم والسندات، بل إنها تُعد أداة تمويل حيوية للاقتصاد الوطني، خاصة في ظل الضغوط المالية التي تشهدها البلاد.

فبينما يسعى البنك المركزي التونسي إلى التحكم في معدلات التضخم ودعم استقرار العملة عبر سياساته النقدية، تبقى البورصة قادرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية وتوفير قنوات تمويل بديلة للشركات، بعيداً عن الاعتماد المفرط على الاقتراض البنكي.

يرى الكسراوي أن الطريق أمام بورصة تونس يتطلب تشجيع إدراج المؤسسات الكبرى، إذ من شأن ذلك رفع القيمة السوقية للسوق وجذب مستثمرين جدد.

كما أن للبنوك دوراً مهماً في تحفيز عملائها من الشركات على الإدراج من خلال التمويل والمشورة. وفي الوقت ذاته، فإن أي استراتيجية لن تُؤتي ثمارها دون إصلاحات هيكلية اقتصادية شاملة تضمن استقرار المناخ الاستثماري.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف