ارتفاع أسعار النفط يهدد بزيادة كلفة دعم المحروقات
تحذير من تداعيات العجز على الدينار والتضخم والقدرة الشرائية

عجز تجاري متصاعد وصدمات خارجية متتالية يواجههما الاقتصاد التونسي، وسط ضغوط متزايدة على المالية العامة وتصنيف ائتماني يعكس تحديات التمويل، في وقت تضيق فيه خيارات الحكومة مع استمرار رفض اللجوء إلى الاقتراض الخارجي.
وبحسب خبراء اقتصاد تحدثوا لـ«إرم بزنس»، فإن الوضع الاقتصادي يخضع لاختبار مزدوج، يتمثل في تفاقم العجز التجاري من جهة، والتعرض لصدمات خارجية متوالية جراء توترات المنطقة من جهة أخرى، مؤكدين أهمية اتخاذ الحكومة إجراءات عاجلة، سواء باللجوء إلى الاقتراض الخارجي رغم تكلفته الكبيرة، أو إجراء إصلاحات اقتصادية تستهدف مراجعة منظومة الدعم وتعزيز الحماية للفئات الأكثر احتياجًا.
وبحسب تقريرها الصادر في 8 سبتمبر الجاري، أبقت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية على التصنيف السيادي طويل الأجل لتونس عند «بي-»، مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرة إلى أن التصنيف يعكس كذلك هشاشة المالية العامة أمام الصدمات الخارجية، لا سيما تقلبات أسعار السلع، نتيجة ارتفاع تكلفة الدعم، فضلًا عن محدودية خيارات التمويل المتاحة للحكومة.
وتتوقع «فيتش» اتساع العجز المالي إلى 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مقارنة بمتوسط يبلغ 3.3% للدول المصنفة عند مستوى «بي»، مرجعة ذلك إلى ارتفاع تكلفة دعم الوقود، التي تتوقع أن تزيد بنحو 0.8 نقطة مئوية من الناتج خلال العام.
ووفق تقديرات الوكالة، فإن عجز 2028 سيكون أعلى بنحو 1.4 نقطة مئوية من توقعاتها الحالية إذا بقي سعر النفط عند 87 دولاراً للبرميل حتى ذلك العام.
ولفتت الوكالة إلى أن البنك المركزي التونسي قدم للحكومة قروضًا من دون فائدة بقيمة 7 مليارات دينار تونسي في كل من عامي 2024 و2025، فيما تتضمن موازنة 2026 قرضًا مخططًا بقيمة 11 مليار دينار، بما يعادل 6.1% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع.
ويقدر حجم ميزانية تونس لعام 2026 بنحو 79.6 مليار دينار (قرابة 27 مليار دولار)، مسجلًا ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 3.9% مقارنة بميزانية عام 2025، التي بلغت 76.6 مليار دينار.
وارتفع العجز التجاري في تونس إلى 14.96 مليار دينار (نحو 5.08 مليار دولار) خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2026، مقابل 11.90 مليار دينار خلال الفترة ذاتها من 2025، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء الصادرة في 12 أغسطس الماضي.
ويرجع ارتفاع العجز بصورة رئيسية إلى تفاقم عجز قطاع الطاقة، الذي بلغ 7.95 مليار دينار خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، مقارنة بنحو 6.04 مليار دينار خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.
وتشير تقديرات حديثة إلى تفاقم العجز التجاري خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، ليصل إلى 17.8 مليار دينار.
ونبه أستاذ الاقتصاد في تونس رضا الشكندالي، في حديث لـ«إرم بزنس»، إلى أن الاقتصاد يواجه اختباراً مزدوجاً؛ فبخلاف الصدمات الخارجية المتوالية، هناك عجز تجاري خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 يتفاقم من عام إلى آخر، محذرًا من تداعيات ذلك على الاقتصاد.
ولفت الشكندالي إلى أن الدولة التونسية تعوّل منذ سنوات على مداخيل السياحة وتحويلات المغتربين، لكن هذه المصادر تظل هشة ومرتبطة بالظروف الاقتصادية الدولية، ولا تفي بالحاجة.
وعن الحلول العاجلة، قال أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي إن اللجوء إلى الاقتراض الخارجي يمثل ضرورة ملحة، لكنه مكلف للغاية بعد قطع المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وتثبيت تونس في فئة المضاربة من جانب «فيتش».
وتعتقد خبيرة الشأن الاقتصادي والتجارة الدولية، جنات بن عبد الله، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن إبقاء «فيتش» على تصنيف تونس عند «بي-» لا يعني أن الاقتصاد التونسي في مأمن من مخاطر الائتمان، موضحة أن هذا المستوى يعكس ضعف القدرة المالية للبلاد.
ولفتت إلى أن العجز المستهدف في ميزانية الدولة لعام 2026 يبلغ 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن الحفاظ على هذا المستوى في ظل تداعيات الحرب على إيران والصدمات الخارجية يبقى صعباً، ويتطلب من الحكومة الحذر واليقظة، بالنظر إلى ما يفرضه ذلك من مراجعة للاعتمادات المخصصة للمجالين الاجتماعي والتنموي.
ووفقًا لجنات بن عبد الله، فإن تثبيت تصنيف تونس عند هذا المستوى يترجم ضعف الوضعية المالية، مع اعتماد تونس على التمويل النقدي المباشر من البنك المركزي، نظراً إلى ضعف الاحتياطي من العملة الصعبة. وأوضحت أن هذا الاعتماد على النظام المصرفي في تمويل الميزانية يأتي دائماً على حساب تمويل الاقتصاد، بما يعنيه ذلك من تراجع في معدلات النمو وانعكاسات على مختلف المؤشرات المالية والاقتصادية والاجتماعية.هشاش
وحذّرت من أن العجز التجاري دخل منحى تصاعدياً خطيراً، مؤكدة أن استمرار تفاقمه يهدد قيمة الدينار التونسي، وما يعنيه ذلك من تداعيات على حجم الدين الخارجي، وقيمة الواردات، ومعدل التضخم، والقدرة الشرائية للمواطن.
وترى أن استمرار ارتفاع الأسعار العالمية للنفط، وما يحمله من صدمات خارجية، من شأنه أن يشكل تهديداً مستمراً للميزانية، باعتبار اتساع الفجوة بين الأسعار الجديدة والسعر المرجعي الذي بُنيت عليه ميزانية الدولة.
وأوضحت أن هذا السعر كان في حدود 63.3 دولار للبرميل، ليتجاوز في الآونة الأخيرة مستوى 100 دولار للبرميل، ما يجعل ميزانية الدولة تواجه عجزاً إضافياً في بند دعم المحروقات يتجاوز 6 مليارات دينار، تضاف إلى العجز الهيكلي للميزان الطاقي، الذي يبلغ 11 مليار دينار، غير مستبعدة «إمكانية نجاة اقتصاد تونس من هذا الاختبار المزدوج، شريطة الخروج من دوامة الاقتراض المتواصلة».
ويعتقد المحلل التونسي أيمن العبروقي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «هذا التصنيف كان متوقعاً، لأن الوكالة لاحظت أن الحكومة التونسية الحالية والحكومات السابقة لم تقم بإصلاحات اقتصادية فعلية، بل قدمت نوايا إصلاح، ولم توقف تواصل العجز التجاري، رغم الاستقرار السياسي الذي من المفترض أن يكون محفزاً إيجابياً للقيام بإصلاحات جوهرية في الاقتصاد».
وأوضح أنه لا تزال مشكلة العجز في الميزانية تراوح مكانها، رغم وجود عدة حلول اقترحها خبراء اقتصاديون سابقاً، لكن الحكومة اكتفت بإقرار سياسة تقشف خلال قانون المالية للسنة المقبلة، وُصفت بأنها تقشف مدروس.
ولفت إلى أن الحكومات السابقة لم تراجع معضلة الدعم خشية رد فعل الشارع التونسي، رغم أن دعم المحروقات يمثل أكبر عبء على الميزانية.
ودعا العبروقي إلى ضخ مزيد من الاستثمارات والتعجيل بالإصلاحات الاقتصادية التي تستفيد من الاستقرار السياسي في تونس، معتقداً أن الاقتصاد التونسي سيحقق انتعاشة حقيقية مع تطبيق إجراءات قد تحد نسبياً من العجز في الميزانية، مثل ترشيد النفقات ومراجعة الدعم، مع توفير حماية للفئات الأكثر احتياجاً.