الوقود يشعل الرسوم الإضافية للشحن
المستهلك أمام موجة أسعار جديدة

عادت تكلفة شحن الحاويات من الصين إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة إلى مستويات اضطرابات جائحة كورونا، بعدما دفعت الحرب أسعار الوقود ورسوم النقل إلى قفزات متلاحقة.
ينذر الصعود بانتقال فاتورة النقل من شركات الاستيراد والتجزئة إلى أسعار السلع النهائية، خاصة المنتجات كبيرة الحجم أو منخفضة الهامش التي تمثل تكلفة الشحن جزءاً مؤثراً من سعرها.
وتقترب الأسعار الفورية من أعلى مستوياتها التاريخية، وسط تحذيرات محللي الشحن من أن ازدحام الطلب قبل عطلة الصين، واتساع رسوم الوقود قد يدفعانها إلى تسجيل قمم جديدة.
وقال كبير المحللين لدى «زينيتا» بيتر ساند إن الأسعار على هذا المسار الحيوي أصبحت أقل بقليل من ذروة اضطرابات الجائحة، محذراً من أن تجاوز القمة السابقة لم يعد مستبعداً.
وأظهر مؤشر «دروي» العالمي للحاويات ارتفاع تكلفة الشحن من شنغهاي إلى نيويورك بنحو 7% خلال أسبوع واحد إلى 10394 دولاراً، رغم اختلاف منهجية القياس عن منصة «زينيتا».
يعد مسار شنغهاي إلى نيويورك من أكثر خطوط التجارة ازدحاماً وربحية لشركات نقل الحاويات العالمية، وفي مقدمتها «إم.إس.سي» و«ميرسك» و«كوسكو» و«سي.إم.إيه سي.جي.إم».
وتطبق الأسعار الفورية، بحسب ظروف السوق، على نحو نصف البضائع المنقولة بحراً، بينما تخضع الشحنات الأخرى لعقود أطول أجلاً لا تعزل العملاء تماماً عن رسوم الوقود والطوارئ.
وتوقعت «دروي» و«زينيتا» استمرار صعود الأسعار مع تسابق شركات التجزئة، ومنها «وول مارت» و«أمازون»، على إخراج البضائع من الصين قبل إغلاق المصانع خلال عطلة الأسبوع الذهبي.
ويرى ساند أن اضطراب سلاسل الإمداد منح شركات النقل أقوى قدرة تفاوضية منذ طفرة الشحن خلال الجائحة، ما يوسع قدرتها على تمرير الرسوم الجديدة إلى المستوردين.
صعد متوسط سعر زيت الوقود منخفض الكبريت المستخدم في سفن الحاويات عبر 20 ميناء عالمياً إلى 901.50 دولار للطن، مقابل 543.50 دولار في 27 فبراير.
ورغم بقاء السعر دون ذروته البالغة 1053 دولاراً المسجلة في 20 مارس، قال ساند إن ارتفاع وقود السفن يدفع الرسوم الإضافية إلى الصعود وقد يقود أسعار الحاويات إلى قمة جديدة.
وكشفت شركة بيانات سلاسل الإمداد «فيسل بوت» أن رسوم وقود الحاويات ارتفعت بما يصل إلى 75% خلال العام الجاري، مقابل زيادة بنحو 30% في تكلفة الوقود البحري.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة كونستانتين كومودروموس إن تلك الرسوم انفجرت بعد مارس، بينما رأى محللون أن التسعير أصبح مرتبطاً بالعرض والطلب بقدر ارتباطه بالتكلفة الفعلية للوقود.
تبدأ رحلة الزيادة من شركة النقل التي تفرض رسوم الوقود والطوارئ، ثم تنتقل إلى المستورد والموزع ومتاجر التجزئة، قبل أن يستقر جزءٌ منها في السعر الذي يدفعه المستهلك.
وتزداد حساسية الأثاث والأجهزة الكهربائية والشاشات والألعاب والملابس للزيادة، لأن الحاوية تمثل عنصراً رئيسياً في تكلفتها أو تحمل أعداداً محدودة من المنتجات كبيرة الحجم.
ويواجه المستورد ثلاثة خيارات، وفقاً لمحللي سلاسل الإمداد: تحمل الزيادة على حساب هامش الربح، أو تقليل الكميات والتشكيلات، أو رفع أسعار البيع لاسترداد تكلفة النقل.
وأوضح مدير المنتدى العالمي للشاحنين جيمس هوكهام أن نتائج شركات النقل تعزز مخاوف العملاء من تحول الأزمات إلى مصدر للأرباح، مع فرض رسوم تتجاوز أحياناً زيادة الوقود الأساسية.
قدّر صندوق النقد الدولي، استناداً إلى بيانات 143 دولة، أن تضاعف تكاليف الشحن يرفع التضخم بنحو 0.7 نقطة مئوية، ويبلغ تأثيره ذروته بعد قرابة عام.
ووجدت دراسة للصندوق أن استمرار أسعار الحاويات عند المستويات المرتفعة المسجلة خلال 2021 رفع أسعار المستهلكين عالمياً بنحو 1.5% مقارنةً بمسار يخلو من صدمة الشحن.
وترى وكالة «فيتش» أن قفزات النقل تغذي ما وصفته بتضخم المرحلة الأخيرة، لأن تكاليف الشحن والتوزيع تتراكم قبل وصول المنتج إلى رفوف المتاجر والمستهلك النهائي.
وأظهرت دراسة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انتقال تضخم شحن الحاويات إلى أسعار الواردات ثم التضخم الأساسي، مع اختلاف حجمه وفق اعتماد كل دولة على السلع المستوردة وقوة المنافسة.
قال بنك «جيه.بي مورغان» إن الحرب عطلت أكثر من 10 ملايين برميل يومياً من الإمدادات، غير أن هبوط الطلب العالمي بنحو 4.4 مليون برميل يومياً حد من استمرار قفزة الخام.
وتكشف قراءة البنك خطراً موازياً على سوق الحاويات؛ إذ قد تكبح الأسعار المرتفعة إنفاق الأسر وطلبيات التجزئة، ما يخفض أحجام الشحن لاحقاً حتى مع بقاء تكلفة الرحلة مرتفعة.
ولم يقدم البنك تصوراً نهائياً لمسار الحرب، مؤكداً أن تجاوز حدود اقتصادية عدة وغياب استراتيجية واضحة للخروج جعلا بناء نموذج موثوق لتوقعات الطاقة والتكاليف أمراً بالغ الصعوبة.
قمة جديدة
يرجح ساند تسجيل رقم قياسي جديد خلال سبتمبر إذا واصل وقود السفن دفع الرسوم الإضافية، بالتزامن مع زيادة الشحنات الصينية قبل العطلة واستمرار اضطراب المسارات البحرية.
وترى «دروي» أن موجة الطلب الموسمية ستمنح الأسعار دفعة أخرى، بينما يظل انتقالها إلى السلع مرهوناً بمدة الأزمة وقدرة المتاجر على امتصاص التكلفة دون التضحية بالأرباح.
وإذا بقي سعر الحاوية قرب 11000 دولار، يرجح خبراء الشحن ظهور أثره تدريجياً في أسعار السلع المستوردة خلال الأشهر المقبلة، لتصل فاتورة الحرب من الموانئ إلى جيوب المستهلكين.