وارش يربك رهانات الأسواق
أكتوبر يدخل دائرة الخطر

رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4%، في أول زيادة منذ 3 أعوام، غير أن المفاجأة الأقوى جاءت من إجماع أعضاء «الفيدرالي» ونبرة رئيسه كيفن وارش.
ترجمت الأسواق القرار باعتباره بداية مرحلة أكثر تشدداً، بعدما أشار وارش إلى أن الأوضاع المالية لا تزال غير مقيدة، بينما توقعت غالبية المسؤولين زيادةً أخرى قبل نهاية العام.
لم تعاقب الأسواق الرفع الذي كان محسوباً بالفعل، بل أعادت تسعير احتمال تحرك متتالٍ في أكتوبر؛ ما دفع الدولار والعوائد إلى الصعود وأعاد الضغط على الأسهم الأميركية.
أقر أعضاء لجنة السوق المفتوحة الـ12 رفع الفائدة بالإجماع، في تحول حاد عن الانقسام الذي ظهر خلال اجتماع يوليو، عندما فضل بعض المسؤولين استمرار التثبيت وجمع مزيد من البيانات.
حملت وحدة التصويت رسالةً تتجاوز حجم الزيادة؛ فـ«الفيدرالي» لم يعد يرى التضخم نتيجةً مؤقتة لصدمات الطاقة والتعريفات، بل ضغطاً واسعاً تغذيه قوة الطلب والاستثمار وسوق العمل.
أكد البيان أن الخطوة ستدعم عودة التضخم في توقيت أسرع إلى هدف 2%، وحذف الإشارة السابقة إلى أن ضغوط الأسعار ترجع أساساً إلى صدمات العرض، ما منح القرار طابعاً أكثر تشدداً.
وصف وارش رفع الفائدة بأنه القرار الصحيح، موضحاً أن الإنفاق المحلي حافظ على متانته، ونمو الإنتاجية ظل قوياً، والاستثمار الرأسمالي واصل الصعود، بالتزامن مع تحسن سوق العمل.
جاءت العبارة الأكثر تأثيراً عندما قال وارش إنه يجد صعوبةً في وصف الأوضاع المالية الواسعة بأنها مقيدة، وإن اللجنة أزالت «جرعةً من التيسير» بهدف إعادة شروط التمويل إلى مسار أكثر اتساقاً مع استقرار الأسعار.
تعني تلك القراءة أن مستوى الفائدة السابق لم يكن كافياً لإبطاء الاقتصاد، وربما لا يمثل النطاق الجديد نهاية التشديد، خصوصاً مع رفض وارش تحديد عدد الزيادات المقبلة أو توقيتها.
ابتعد رئيس «الفيدرالي» عن أسلوب التوجيه المستقبلي المباشر، وأكد أن القرارات ستظل مرتبطة بالبيانات، إلا أن حديثه عن قوة الاقتصاد واتساع التضخم ترك الباب مفتوحاً أمام تحرك سريع.
وأنهى وارش مؤتمره الصحفي دون منح المستثمرين إشارةً مريحة إلى أن الزيادة خطوة منفردة، فتحولت لهجته المختصرة إلى رسالة متشددة دفعت السوق إلى تسعير مسار أعلى للفائدة.
أظهرت خريطة التوقعات أو المخطط النقطي «دوت بلوت» أن 16 من أصل 18 مسؤولاً يتوقعون زيادةً واحدة على الأقل قبل نهاية 2026، بينهم 12 يتوقعون زيادةً واحدة وأربعة يرجحون زيادتين، مقابل عضوين فقط يتوقعان التثبيت.
ورفع المسؤولون تقديرهم لمعدل الفائدة في نهاية 2026 إلى 4.1%، بما يعادل نطاقاً بين 4% و4.25%، مع بقائه عند المستوى نفسه خلال 2027، قبل تراجعه إلى 3.9% في 2028.
كما رفع «الفيدرالي» توقعه لتضخم نفقات الاستهلاك الشخصي إلى 3.7%، والتضخم الأساسي إلى 3.4%، بينما لا ينتظر عودة التضخم إلى هدف 2% قبل 2029.
رفع البنك توقع النمو إلى 2.3% وخفض تقدير البطالة إلى 4.1%، لتقدم الأرقام مبرراً إضافياً للتشديد؛ فالاقتصاد ينمو بوتيرة تسمح بزيادة الفائدة دون خوف فوري من ركود حاد.
تحركت الأسهم الآسيوية بصورة متباينة، إذ دعمت مكاسب بعض أسهم التكنولوجيا المؤشرات، بينما فرض ارتفاع العوائد والدولار وتوقعات التشديد الأميركي ضغوطاً على العملات والأسواق الناشئة.
ترى إدارة الأصول التابعة لـ«غولدمان ساكس» أن عبارة العودة الأسرع إلى هدف التضخم ترجح تنفيذ زيادات متتالية، لذلك عدّل البنك توقعاته ورجح رفع الفائدة 25 نقطة أساس خلال اجتماع أكتوبر.
يختلف ذلك مع قراءة سابقة لإدارة الأصول في «غولدمان ساكس»، التي رجحت الانتظار حتى ديسمبر بسبب قرب اجتماع أكتوبر من انتخابات التجديد النصفي؛ ما يكشف حساسية التوقعات للبيانات المقبلة.
ويرى كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى«مورغان ستانلي»، مايكل غابن، أن «الفيدرالي» يعترف باستمرار مسار تباطؤ التضخم، غير أنه يريد تسريعه عبر فائدة أعلى، مع زيادة أخرى هذا العام وتثبيت خلال 2027.
يقدر كبير الاقتصاديين الأميركيين في «ناتيكسيس» للأبحاث كريستوفر هودج، أن القرار اشترى لـ«الفيدرالي» وقتاً لاختبار ما إذا كانت قفزة تضخم أغسطس مؤقتة، مرجحاً زيادةً في ديسمبر مع إبقاء احتمال الاكتفاء بخطوة واحدة قائماً.
تقرأ محللة العملات في «كومنولث بنك أوف أستراليا»، كارول كونغ، لهجة وارش باعتبارها أشد من المتوقع، وترى أن إعادة تسعير الفائدة ستدعم استمرار قوة الدولار أمام العملات المنافسة.
في حين يعتبر بنك «آي إن جي» الهولندي أن قوة الإنفاق الأميركي وتماسك سوق العمل يسمحان بزيادة أخرى، مع بقاء توقيت التحرك رهناً ببيانات التضخم والطاقة والتطورات الجيوسياسية خلال الأسابيع المقبلة.
رفعت العقود الآجلة احتمال زيادة جديدة في أكتوبر إلى نحو 50%، بينما تسعّر السوق احتمالاً يقارب 90% لرفع الفائدة مرةً أخرى قبل نهاية العام، ما يجعل الخلاف منصباً على التوقيت لا الاتجاه.
يحتاج سيناريو أكتوبر إلى بقاء التضخم مرتفعاً واستمرار قوة الوظائف والإنفاق، بينما قد يمنح تباطؤ الأسعار أو هبوط النفط الفيدرالي مساحةً للانتظار حتى ديسمبر وتجنب زيادة متتالية.
قال محللو «آي إن جي»: «تؤكد الرسالة الأهم أن (الفيدرالي) انتقل من مراقبة التضخم إلى مقاومته؛ لذلك ستظل الأسهم والسندات والذهب والدولار رهينة كل قراءة جديدة حتى يحسم وارش موعد الضربة التالية».