
للوهلة الأولى، تبدو الفكرة مناقضة لِما ننتظره من خوذة سباقات، جزء منها مصمم لكي يتحرك، بل وينفصل عند بعض الصدمات. فالمنطق البسيط يقول إن الخوذة الأكثر أمانًا يجب أن تكون الأكثر صلابة وتماسكًا. لكن الحوادث لا تحدث دائماً بهذه البساطة. مع خوذة Pista GP R3 الجديدة، تحاول AGV التعامل مع أحد أخطر جوانب الاصطدامات، عندما يرتطم رأس الدرّاج بالأرض بزاوية فتتولد قوى دورانية يمكن أن تنتقل إلى الرأس. وبدل الاعتماد على الصلابة وحدها، تسمح التقنية الجديدة للطبقة الخارجية بالحركة والانفصال بصورة مضبوطة للمساعدة على إدارة جزء من هذه القوى. إنها فكرة تعكس تحولًا أوسع في هندسة السلامة، أحيانًا لا تكون الحماية في منع الحركة، بل في التحكم في الطريقة التي تحدث بها.
عند التفكير في الخوذة، يتجه الانتباه عادة إلى قدرتها على امتصاص طاقة الاصطدام المباشر. لكن الحوادث قد تتضمن ضربة مائلة، وعندما تلامس الخوذة الأرض بزاوية يمكن للاحتكاك أن يدفع الرأس إلى حركة دورانية سريعة. وهنا يأتي نظام AGV الجديد. التقنية تحمل اسم Sphera، وفي قلبها نظام RLS، أو "نظام الطبقة القابلة للانفصال". فوق الهيكل الأساسي المصنوع من ألياف الكربون توجد ألواح خارجية متحركة، تفصلها عنه عناصر مجهرية تسمح لها بالحركة في اتجاهات متعددة. عند وقوع اصطدام مائل، تستطيع الألواح الانزلاق مع اتجاه القوة، ويمكنها الانفصال عن الهيكل إذا تطلبت الصدمة ذلك. الهدف ليس جعل الخوذة نفسها تتفكك، وإنما إضافة طبقة تستطيع الحركة والانفصال بصورة محسوبة للمساعدة على تقليل القوى الدورانية التي تنتقل إلى الرأس.
هذه الفلسفة ليست غريبة عن هندسة السلامة. في السيارات، لا يُصمم الهيكل بالكامل ليبقى صلباً مَهما بلغت شدة الحادث. فهناك مناطق انهيار تتشوه بصورة محسوبة لامتصاص جزء من طاقة الاصطدام قبل وصولها إلى المقصورة.
Pista GP R3 تطبق منطقًا مشابهًا على سطح الخوذة. فبدل أن يلتقط السطح الخارجي الاحتكاك وينقل الحركة مباشرة إلى الهيكل والرأس، تسمح الطبقة الخارجية بحركة نسبية بينها وبين البنية الأساسية. بهذا المعنى، لا يصبح انفصال الجزء الخارجي علامة على فشل الخوذة، بل نتيجة محتملة لوظيفة هندسية صُمم لأدائها.
AGV قدمت رقماً لافتاً، إذ تقول: إن اختبارات مختبرية أظهرت انخفاضًا بمقدار ست مرات في خطر الارتجاج مع تقنية RLS لكن الرقم يحتاج إلى سياقه. بحسب الشركة، أجريت الاختبارات في معهد أبحاث الهندسة في أراغون بجامعة سرقسطة في إسبانيا، وحُولت نتائج اختبارات الاصطدام إلى احتمال لخطر الارتجاج باستخدام مقياس مرتبط بالحركة الدورانية للرأس. لذلك لا يعني الرقم أن كل درّاج يرتدي الخوذة يصبح أقل عرضة للارتجاج ست مرات في حادث حقيقي. إنها نتيجة مختبرية وفق ظروف ومنهجية محددتين، بينما تختلف الحوادث الفعلية في السرعة والزاوية والسطح وتسلسل الاصطدامات. وهذا التفريق ضروري لفهم التقنية من دون تحويل نتيجة الاختبار إلى وعد طبي.
AGV لم تقدم التقنية في نموذج تجريبي فقط، بل أدخلت Pista GP R3 إلى عالم سباقات الدراجات، حيث ظهرت الخوذة مع درّاجين في بطولات MotoGP وMoto2 و Moto3 كما لم يقتصر التطوير على نظام Sphera، فقد أعادت الشركة العمل على الديناميكا الهوائية والجناح الخلفي والتهوية، وطورت الخوذة لتناسب المتطلبات الحديثة لسباقات الدراجات. وهذا مهم لأن الحماية لا تعمل بمعزل عن بقية التصميم. الوزن والرؤية والثبات الهوائي والتهوية وطريقة بقاء الخوذة في مكانها أثناء الاصطدام كلها أجزاء من المنظومة نفسها.
Pista GP R3 لا تعني أن التفكك أصبح أفضل من الصلابة. الهيكل الأساسي ما زال يؤدي دوره الجوهري، وامتصاص طاقة الاصطدام يبقى من الوظائف الأساسية للخوذة. الجديد هو إضافة مستوى آخر لإدارة الطاقة، مصمم للتعامل مع القوى الدورانية بطريقة مختلفة. وهذا يلخص تحولاً مهماً في هندسة السلامة الحديثة، بدل مطالبة كل جزء بمقاومة الصدمة بأقصى قدر ممكن، يمكن تصميم بعض الأجزاء لكي تتحرك أو تتشوه أو تنفصل في اللحظة المناسبة، بهدف تقليل ما يصل من الطاقة إلى الإنسان. لهذا تبدو Pista GP R3 مثيرة للاهتمام ليس لأنها خوذة "تتفكك"، بل لأنها تعيد تعريف معنى أن يبقى نظام الحماية متماسكاً أثناء الحادث. فأحياناً يكون الجزء الذي صُمم لينفصل هو تحديداً الجزء الذي أدّى وظيفته كما أراد المهندسون.