التضخم الأساسي يمنح البنك مهلة للتريث
النمو الضعيف يربك مسار الرفع القادم

أبقت بيانات التضخم في منطقة اليورو، التي صدرت اليوم الخميس، البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة صعبة، بعدما خففت القراءة النهائية مفاجأة الأسعار دون أن تبدد مخاطر استمرارها فوق المستهدف.
وجاء التضخم خلال أغسطس عند 3.2%، دون التوقعات البالغة 3.3%، لكنه ظل أعلى من قراءة يوليو وهدف البنك البالغ 2%، مع استمرار ضغوط الطاقة وتراجع التضخم الأساسي.
تمنح القراءة صناع السياسة مساحةً لانتظار مزيد من البيانات، دون إغلاق باب رفع الفائدة مجدداً إذا انتقلت صدمة الطاقة إلى الأجور والخدمات وتوقعات الأسعار.
سجل مؤشر أسعار المستهلكين ارتفاعاً سنوياً بنسبة 3.2% في أغسطس، مقابل 2.9% خلال يوليو، بينما جاءت القراءة النهائية أقل من التقدير الأولي وتوقعات الأسواق البالغة 3.3%.
بلغ تضخم الطاقة 14.3%، مسجلاً أعلى مستوى منذ يناير 2023، بفعل اضطراب الإمدادات وارتفاع أسعار النفط والغاز عقب تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
تباطأ تضخم الخدمات إلى 3% من 3.3%، كما تراجع التضخم الأساسي، الذي يستبعد الطاقة والغذاء، إلى 2.4% من 2.5%، ما يشير إلى انحسار محدود للضغوط المحلية.
ارتفع التضخم في ألمانيا إلى 2.9% من 2.8%، وزاد في فرنسا إلى 2.6% من 2.4%، بينما قفز في إسبانيا إلى 4.6% من 3.9%، وسجل في إيطاليا 3.2% مقابل 2.9%.
خالفت هولندا الاتجاه بتراجع التضخم إلى 2.8% من 3%، ما يعكس تفاوت انتقال صدمة الطاقة بين اقتصادات المنطقة وفق أوزان الاستهلاك وسياسات الدعم وحركة الأجور.
يضع هذا التفاوت البنك المركزي الأوروبي أمام قراءات متباينة؛ فالتضخم المرتفع في الاقتصادات الكبرى يدعم التشديد، فيما يفرض ضعف الطلب في دول أخرى قدراً أكبر من الحذر.
يرى عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي ومحافظ بنك البرتغال، ألفارو سانتوس بيريرا، أن التضخم لا يتسع بالسرعة التي شهدتها موجات سابقة، رغم القفزة الأخيرة في أسعار الغاز.
أوضح بيريرا أن صناع السياسة يراقبون صدمة الطاقة وتداعياتها عن كثب، مؤكداً أن تعدد المخاطر التي ظهرت خلال الأشهر الأخيرة يفرض استمرار اليقظة قبل الاجتماعات المقبلة.
يرى محللو «رويال لندن لإدارة الأصول» أن انتقال صدمة الطاقة إلى بقية مكونات التضخم لا يزال محدوداً، مستندين إلى تراجع التضخم الأساسي والخدمات خلال أغسطس.
رفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة على الودائع 25 نقطة أساس إلى 2.5% خلال اجتماعه في سبتمبر، في ثاني زيادة هذا العام، بعدما أدى صعود الطاقة إلى تغيير توقعاته للأسعار.
رفع البنك توقعه لمتوسط التضخم خلال 2026 إلى 3%، ويرجح تباطؤه إلى 2.5% في 2027 ثم 2.1% في 2028، ما يعني تأخر العودة المستدامة إلى هدف 2%.
أكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، أن القرارات ستُتخذ من اجتماع إلى آخر وفق البيانات، دون التزام بمسار محدد، مع مراقبة الطاقة والأجور وهوامش أرباح الشركات.
يتوقع اقتصاديو «دويتشه بنك» رفع الفائدة 25 نقطة أساس في ديسمبر إلى 2.75%، بعدما أضاف البنك زيادةً جديدة إلى توقعاته، مستنداً إلى استمرار ضغوط التضخم خلال الأشهر المقبلة.
يرى محللو «آي إن جي» أن مخاطر التضخم تميل إلى الاتجاه الصعودي، غير أن تراجع التضخم الأساسي والخدمات يسمح للمركزي الأوروبي بتقييم استدامة قفزة الطاقة قبل التحرك مجدداً.
تشير تسعيرات سوق المال إلى توقع ثلاث زيادات إضافية خلال عام، فيما ارتفعت رهانات وصول فائدة الودائع إلى 3% بحلول سبتمبر 2027، مقارنةً باحتمالات شبه معدومة قبل شهرين.
يرى محللو «آي إن جي» أن استمرار صدمة الطاقة قد يدفع اقتصاد منطقة اليورو إلى ركود فني، لأن ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الدخل الحقيقي يضغطان على الاستهلاك والاستثمار معاً.
يتوقع «بنك فرنسا» نمو الاقتصاد الفرنسي 0.4% فقط خلال 2026، محذراً من احتمال انكماش محدود في 2027 إذا استمرت صدمة الشرق الأوسط وارتفاع الطاقة لفترة أطول.
يقدر «غولدمان ساكس» أن الإنفاق الدفاعي والبنية التحتية يدعمان النشاط الأوروبي، غير أن ضعف الإنتاجية وارتفاع الطاقة والتوتر التجاري تبقي وتيرة التعافي محدودة وغير متوازنة.
رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الفائدة إلى نطاق 3.75%–4%، وأشار مسؤولوه إلى زيادة أخرى محتملة هذا العام، ما أعاد التشديد المتزامن إلى البنوك المركزية الكبرى.
ترجح إدارة الأصول لدى «غولدمان ساكس» زيادةً أميركية أخرى في ديسمبر، دون توقع دورة سريعة، إذ يتوقف المسار على قراءات التضخم وأسعار الطاقة وقوة سوق العمل.
يبقي تشدد الفيدرالي فارق العائد لمصلحة الدولار، فيما يحتاج المركزي الأوروبي إلى موازنة أثر اليورو الضعيف في تكلفة الواردات مع مخاطر رفع الفائدة على اقتصاد محدود النمو.
يرى اقتصاديو «غولدمان ساكس» أن التعريفات الأميركية تضغط على صادرات منطقة اليورو، خصوصاً الصناعات الألمانية، فيما تخفف زيادة الإنفاق الدفاعي والبنية التحتية جانباً من أثرها في النمو.
يتوقع محللو «آي إن جي» أن تؤدي إعادة توجيه الصادرات الصينية بعيداً عن السوق الأميركية إلى خفض أسعار بعض السلع الأوروبية، ما يمنح التضخم مساراً معاكساً لضغوط النفط والطاقة.
يرى محللو «دويتشه بنك» أن اجتماع ضعف الطلب الخارجي مع ارتفاع فاتورة الطاقة يهدد هوامش الشركات والاستثمار، ويجعل المركزي الأوروبي أكثر حذراً في تحديد سرعة زيادات الفائدة.
يتوقع اقتصاديو «دويتشه بنك» تثبيت الفائدة في الاجتماع المقبل ثم رفعها خلال ديسمبر، ما يمنح المركزي الأوروبي وقتاً لاختبار انتقال صدمة الطاقة إلى الأجور والخدمات.
يرجح محللو «آي إن جي» بقاء البنك في وضع التشديد، مع ربط أي زيادة جديدة باستمرار الطاقة عند مستويات مرتفعة وظهور ضغوط أوسع في التضخم الأساسي وتوقعات الأسعار.
يرى محللو «رويال لندن لإدارة الأصول» أن تراجع التضخم الأساسي يقلل الحاجة إلى تحرك عاجل، لكنه لا يُنهي دورة الرفع ما دام المؤشر العام أعلى من الهدف ومخاطر الطاقة قائمة.