حسن الريس: إيرادات الطاقة تدعم الإنفاق الخليجي في مواجهة كلفة الاقتراض
رائد الخضر: التدفقات النقدية ونوع الدين يحددان قدرة الشركات على التحمل

يعيد ارتفاع الفائدة في الخليج ترتيب حسابات الشركات والأفراد، بين تحسن جاذبية الودائع وزيادة كلفة الاقتراض. ويرى خبراء أن إيرادات الطاقة والإنفاق على المشاريع الكبرى قد يدعمان النشاط الاقتصادي، فيما يحدد تركيب الديون والسيولة المتاحة حجم التأثير على كل شركة ومقترض.
وفي تصريحات خاصة لـ«إرم بزنس»، يشرح الخبراء خيارات مواصلة الاستثمار وإدارة التمويل، وكيفية الموازنة بين عوائد الادخار والالتزامات المالية في المرحلة المقبلة.
يربط الخبير المصرفي حسن الريس التشديد النقدي الأميركي بضغوط الطاقة واضطراب التجارة، ويشير إلى اقتراب خام برنت من 106 دولارات للبرميل، وارتفاع أسعار الديزل، معتبراً أن ذلك يزيد كلفة الشحن وسلاسل الإمداد، فيما تدفع ضبابية الرسوم الجمركية الشركات والمستوردين إلى التحوط عبر الأسعار.
وأوضح في تصريحات خاصة، لـ«إرم بزنس»، أن ربط عملات الدول الخليجية الخمس بالدولار يجعل مواكبة السياسة الأميركية أداة للحفاظ على استقرار أسعار الصرف والحد من انتقال الأموال بحثاً عن عوائد أعلى بالدولار.
لكن ما يرفع كلفة التمويل قد يوفر، في تقديره، دعماً للمالية العامة الخليجية، فالنفط فوق 106 دولارات، وفق القراءة التي يقدمها، يتيح تدفقات كبيرة يمكن أن تدعم تحقيق فوائض مالية واستمرار الإنفاق على المشاريع التنموية.
ويصف الريس الإنفاق الحكومي بأنه «مصدّات مالية» تساعد على امتصاص أثر الفائدة المرتفعة وحماية نمو الأنشطة غير النفطية، وتظل هذه قراءة لأثر الأسعار، لا نتيجة مالية مضمونة لجميع الدول، إذ ترتبط الحصيلة أيضاً بكميات الإنتاج والتصدير ومستويات الإنفاق.
من جهته، يرى رائد الخضر، كبير المحللين في مجموعة «إكويتي»، أن كلفة التمويل وجاذبية الأدوات منخفضة المخاطر تحكمان استجابة المستثمرين في البداية، ومع مرور الوقت، تتقدم قدرة الشركات على تعويض هذه الكلفة عبر نمو الإيرادات والأرباح.
ويوضح الخضر، لـ«إرم بزنس» أن توقعات النمو المرتبطة بالأنشطة المدعومة حكومياً والمشاريع الكبرى في السعودية والإمارات قد تحد من استمرار الأثر، ولذلك يميل إلى قراءته كتأثير مؤقت أكثر من كونه تحولاً هيكلياً بالضرورة.
أما هشام أبو جامع، كبير المستشارين لدى نايف الراجحي الاستثمارية، فيربط عودة رفع الفائدة بتغيرات الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها التضخم والأوضاع الجيوسياسية الخليجية، ويرى احتمال رفع آخر قبل نهاية العام، من دون إشارات، في تقديره، إلى عودة قريبة للتخفيض خلال العام المقبل.
يقول أبو جامع، في تصريحات لـ«إرم بزنس»، إن ارتفاع الفائدة يغير أولاً اقتصاديات القرار الاستثماري، فيجعل الشركات أكثر انتقائية في التوسع والاستحواذ، ويظهر الأثر عادة في المشاريع الجديدة قبل التشغيل، باستثناء الشركات التي تعتمد بكثافة على التمويل القصير أو المتغير.
وبحسب قراءته، قد تتأخر قرارات بدء بعض المشاريع إذا استمرت الفائدة في الارتفاع، لكن ذلك لا يعني توقف الاستثمار، بل زيادة التدقيق في العلاقة بين العائد المتوقع وكلفة رأس المال.
ولا يعد حجم الدين وحده معياراً كافياً، فشركة مرتفعة المديونية قد تكون محصنة نسبياً بتمويل ثابت وطويل الأجل، بينما تتأثر شركة أقل اقتراضاً إذا اقترب استحقاق ديونها المتغيرة واضطرت إلى إعادة التمويل بكلفة أعلى، وفقاً لأبو جامع.
ويتفق الخضر مع هذه القراءة، مضيفاً أن التدفقات النقدية التشغيلية ونسبة تغطية الفوائد، أي قدرة الأرباح على تغطية أعباء الفائدة، أدق من النظر إلى الدين منفرداً، فالتدفقات المستقرة قد تمنح الشركة قدرة على التحمل لا تتوافر لشركة تحتاج إلى اقتراض قصير ومتكرر.
وبالنسبة إلى الشركات العائلية، يرى أبو جامع أن استخدام جزء من السيولة الذاتية يصبح أكثر جاذبية، لكن استنزاف الاحتياطيات يحرم الشركة مرونتها وقدرتها على اقتناص الفرص. والأفضل، في رأيه، موازنة التمويل الذاتي والخارجي مع الاحتفاظ باحتياطي مناسب.
كما أن ارتفاع عوائد ودائع الشركات لا يعوض بالضرورة زيادة كلفة قروضها بالكامل، بسبب اختلاف الأسعار والآجال وشروط التسعير. ولذلك يدعو إلى تقييم صافي كلفة التمويل على مستوى الشركة.
وتشمل البدائل التي يطرحها إعادة الهيكلة، وتمديد آجال الدين، وتثبيت جزء من كلفة الاقتراض، وزيادة التمويل الذاتي، والدخول في شراكات أو تنفيذ المشاريع على مراحل.
ويختصر الفارق قائلاً: «إذا كان المشروع جيداً وعائده مرتفعاً ولكن التمويل مكلف، فالمطلوب تحسين هيكل التمويل»، أما إذا تراجعت جاذبية المشروع نفسه بسبب التكاليف، فيرى أن إعادة تصميمه أو تأجيله تصبح أولى من تغيير التمويل وحده.
يضع الريس المقترض بفائدة متغيرة في مقدمة المتأثرين، خصوصاً عند ارتباط قرضه بمؤشرات محلية مثل «إيبور»، ويتوقع انتقال الزيادة سريعاً إلى القسط أو مدة السداد في هذه العقود، بينما يواجه طالب القرض الجديد انخفاضاً في المبلغ الذي يستطيع تمويله ضمن حدود استقطاع الدخل.
ويختلف موعد التطبيق الفعلي وآليته بحسب العقد وتاريخ مراجعة السعر، فلا يعني رفع الفائدة الأساسية تغير جميع الأقساط خلال أيام، ولا يشمل القرض الثابت بالطريقة نفسها خلال فترة تثبيت فائدته.
ويشمل الأثر، وفق قراءة الريس، القروض الشخصية وتمويل السيارات وبطاقات الائتمان الجديدة والتمويل العقاري، إلى جانب رأس المال العامل وخدمة ديون الشركات.
وفي شراء المسكن، يرى أن تباطؤ الطلب التمويلي قد يهدئ أسعار العقارات، ما يتيح موازنة سعر شراء أقل مع تمويل أعلى كلفة، ثم بحث إعادة التمويل إذا انخفضت الفائدة لاحقاً.
ويعتبر بلوغ القسط العقاري 35% إلى 40% من صافي الدخل نقطة تستدعي الانتباه، أو عندما يصبح عائد تأجير العقار أقل من كلفة الاقتراض.
ويرى الريس أن البنوك تمرر زيادة كلفة الإقراض أسرع من تحسين عوائد الودائع، التي قد تتأخر، بحسب تقديره، أسابيع أو أشهراً حفاظاً على الهوامش، ويدعو إلى مقارنة العائد السنوي الفعلي وشروط كسر الوديعة والرسوم، بدلاً من الاكتفاء بالفائدة المعلنة.
وتُعتبر الودائع أداة لتوليد دخل منخفض المخاطر والمساعدة على مواجهة التضخم، فيما يرى الخضر أنها تجذب المستثمرين المحافظين بعيداً عن الأصول الأعلى مخاطرة، أما العقار، فيراه أقل تأثراً نسبياً لطول أفق الاستثمار، مع بقاء كلفة تمويل الشراء قناة مباشرة للتأثير.
وفي السداد المبكر، يرى الريس أن الجدوى تكون أكبر في النصف الأول من القرض، عندما تكون أعباء الفائدة أعلى مقارنة بعائد توظيف المال في بديل آخر، ويشير إلى رسوم قد تصل إلى 1% في الأطر التي يستند إليها، مشترطاً ألا تتجاوز الوفر المحقق.
ويوصي بالاحتفاظ بسيولة تغطي ثلاثة إلى ستة أشهر من المصاريف الثابتة قبل السداد المبكر. كما يحذر من اختيار قرض متغير لمجرد انخفاض سعره الأولي، ومن ترك المدخرات كلها في حساب بلا عائد أو ربطها بالكامل في وديعة لثلاث إلى خمس سنوات. ويفضل ودائع قصيرة متجددة لإتاحة الاستفادة من أي زيادات لاحقة.
أما البنوك، فيرى الخضر أن ارتفاع عوائد الإقراض قد يحسن هامش الفائدة الصافي مبدئياً، لكن المنافسة على الودائع تزيد كلفة التمويل، وقد يحد تباطؤ الاقتراض من نمو المحافظ الائتمانية لاحقاً.
وتعتمد المحصلة، بحسبه، على سرعة إعادة تسعير الأصول مقارنة بالالتزامات، ما يمنح البنوك المعتمدة على الحسابات الجارية والسيولة منخفضة الكلفة أفضلية على الأكثر اعتماداً على الودائع لأجل.
ويضع الخضر ضمن مؤشرات المتابعة الفصلية هامش الفائدة الصافي مقارنة بالربع السابق، ومخصصات الائتمان، ونسب تغطية الفوائد في العقار والمقاولات، ونمو الإيرادات التشغيلية للشركات غير المالية، وتحول الودائع بين الحسابات الجارية والودائع لأجل.