
تتصاعد وتيرة الاهتمام العالمي بقطاعي مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط، مع تحوّل المنطقة إلى ساحة استثمارية واعدة طويلة الأمد تجمع بين وفرة الطاقة والدعم الحكومي وتدفق رؤوس الأموال العالمية.
ففي الوقت الذي تواجه فيه الاقتصادات المتقدمة تحديات في الطاقة والبنية التحتية، تتجه أنظار المستثمرين نحو الخليج، الذي يقدم مزيجاً فريداً من الاستقرار، والطاقة منخفضة التكلفة، والطموحات التقنية المتسارعة.
برز هذا التوجه بوضوح خلال مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» (FII) في الرياض الأسبوع الماضي، حيث أكد قادة المال والأعمال أن دول الخليج أصبحت في طريقها لتصبح مركزاً محورياً للبنية التحتية الرقمية العالمية.
وقال رئيس قسم الشؤون الدولية في «بنك أوف نيويورك ميلون» (BNY Mellon) هاني قبلاوي: «نعتقد أن هناك فرصة طويلة الأمد، ليست دورية بل هيكلية، في هذا المجال. فعندما تجد مشروعاً يجمع بين دعم حكومي قوي، وطاقة وفيرة، ورأس مال عالمي، يكون من السهل أن تسانده».
تسعى الرياض إلى جذب 100 مليار دولار سنوياً من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحلول عام 2030، بزيادة كبيرة مقارنة بما يقارب 32 مليار دولار استقطبتها العام الماضي، أي أربعة أضعاف ما تحقق قبل عقد من الزمن.
ورغم استمرار اهتمام المستثمرين بقطاعي النفط والغاز، تعمل الرياض على تنويع محفظتها الاستثمارية لجذب رؤوس الأموال نحو قطاعات التكنولوجيا والبيانات والبنية التحتية الرقمية.
وأوضح وزير المالية خالد الفالح خلال المؤتمر أن الذكاء الاصطناعي يمثل «الفرصة الأوضح» للقطاع الخاص، مشيراً إلى أن الحكومة و«صندوق الاستثمارات العامة»، الذي تبلغ قيمته 930 مليار دولار، يعتزمان «تخفيف دورهما» لفسح المجال أمام مشاركة أوسع من القطاع الخاص.
وتشهد منطقة الشرق الأوسط تحولاً كبيراً لتصبح مركزاً عالمياً لمراكز البيانات، ومن المتوقع أن تتضاعف السعة الإقليمية ثلاث مرات من 1 غيغاواط في عام 2025 إلى 3.3 غيغاواط خلال السنوات الخمس المقبلة. كما يُتوقع أن ينمو سوق مراكز البيانات في الإمارات من 1.26 مليار دولار في عام 2024 إلى 3.33 مليار دولار في عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ نحو 18%.
شهد المؤتمر سلسلة من الإعلانات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، أبرزها اتفاق بقيمة 3 مليارات دولار بين شركة «هيوماين» (Humain) المملوكة لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، وشركة «إيرترانك» (AirTrunk) الأسترالية المتخصصة في مراكز البيانات والمدعومة من «بلاكستون» (Blackstone) و«مجلس استثمار خطة معاشات التقاعد الكندية» (CPP).
وسيسهم الاتفاق في بناء عدة مراكز بيانات جديدة داخل المملكة، ضمن توجه متنامٍ لجذب الاستثمارات العالمية في البنية التحتية الرقمية.
ويأتي دخول المجلس الكندي إلى هذا القطاع كامتداد لاستراتيجيته طويلة الأجل، إذ يستثمر بالفعل في شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية الرائدة مثل «أنثروبيك» (Anthropic) و«أوبن إيه آي» (OpenAI) و«إكس إيه آي» (xAI).
وأوضح الرئيس التنفيذي للمجلس جون غراهام، خلال مؤتمر في مومباي، أن هذه الاستثمارات تتماشى مع طبيعة الصندوق قائلاً: «نحن صندوق تقاعد، ولسنا وسيلة لتعظيم الثروة».
تُعد مراكز البيانات أحد الأعمدة الجديدة في التحول الاقتصادي الخليجي، إذ تمثل البنية التحتية الأساسية للاقتصاد الرقمي وتنشئ فرصاً ضخمة في مجالات الخدمات السحابية، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي.
ويرى خبراء أن وفرة الطاقة المنخفضة التكلفة تمنح المنطقة ميزة تنافسية عالمية في تشغيل هذه المراكز، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة في أوروبا وأميركا الشمالية.
كما يتيح هذا القطاع فرصاً لتوليد وظائف نوعية وتطوير كفاءات محلية قادرة على قيادة التحول الرقمي المستقبلي.
تتمتع السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي ببعضٍ من أقل تكاليف الطاقة في العالم، إذ لا تزال الهيدروكربونات تشكل تقريباً كامل مزيج الطاقة في المملكة. ومع ذلك، تعمل السعودية على رفع نسبة الطاقة المتجددة إلى 50% من المزيج بحلول عام 2030.
هذه المزايا تجعل المنطقة وجهة جاذبة للمستثمرين، ومن بينهم شركة «فيجن إنفست» (Vision Invest). وأوضح رئيسها التنفيذي عمر المديني أن الطلب العالمي على هذه المراكز مرشح للزيادة ثلاثة أضعاف بحلول عام 2030، مشيراً إلى أن «تحقيق مثل هذا النمو في الولايات المتحدة سيكون صعباً ضمن الإطار التشريعي الحالي»، ما يعكس تفوق البيئة التنظيمية الخليجية في تسريع الاستثمارات التقنية.
مع ذلك، يحذر بعض المستثمرين من أن التوترات الجيوسياسية قد تؤثر على آفاق النمو. فالأزمات في البحر الأحمر والصراعات في بلاد الشام لا تزال تلقي بظلالها على آمال التنمية.
وقال باري ستيرنليخت، الرئيس التنفيذي لشركة «ستاروود كابيتال غروب» (Starwood Capital Group): «تتمتع السعودية بميزة تنافسية هائلة في مجال مراكز البيانات. إنها ربما المنطقة الأكثر إثارة في العالم للاستثمار في البنية التحتية، لكننا بحاجة إلى السلام. سيكون السلام أمراً جميلاً».
تُعد مراكز البيانات الركيزة التقنية الأساسية التي تمكّن الذكاء الاصطناعي من العمل، إذ تضم خوادم عالية الأداء وأنظمة تخزين ضخمة وشبكات اتصال فائقة السرعة.
وتشير شركة «ديلويت» (Deloitte)، إحدى أكبر شركات الخدمات المهنية والاستشارات في العالم، في تقريرها لعام 2025 إلى أن قدرة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي قد تصل إلى نحو 2 جيجاواط في بعض المشاريع الكبرى، وهو ما يعكس حجم النمو السريع في هذا القطاع.
في السياق ذاته، أوضحت شركة «فلكسِنشال» (Flexential) الأميركية المتخصصة في خدمات مراكز البيانات والحوسبة السحابية أن شركات التقنية العالمية بدأت تخطط احتياجاتها للبنية التحتية الرقمية على مدى قصير يتراوح بين عام وثلاثة أعوام، في إشارة إلى الطلب المتسارع على قدرات الذكاء الاصطناعي وسعي المؤسسات لتوسيع قدراتها التشغيلية بسرعة أكبر من أي وقت مضى.
كما تُظهر بيانات مؤسسة «تي إم سي نت» (TMCnet) المتخصصة في تحليلات التكنولوجيا أن سوق مراكز البيانات العالمي مرشح لتجاوز تريليون دولار بحلول منتصف العقد المقبل، ما يعكس التحول الهائل في طبيعة هذه المراكز، التي لم تعد مجرد مخازن بيانات، بل أصبحت محطات طاقة رقمية تدعم وتشغّل نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة وتغذي الاقتصاد الرقمي العالمي.
بينما يشهد العالم سباقاً لبناء البنية التحتية الرقمية، يبرز الشرق الأوسط كأحد المراكز الصاعدة للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
فبفضل رؤى اقتصادية واضحة، ودعم حكومي منسق، واستثمارات متزايدة في الطاقة والتقنية، تتهيأ المنطقة لتصبح محوراً رئيساً في الاقتصاد الرقمي العالمي.
وإذا نجحت في تحييد المخاطر الجيوسياسية وتعزيز بيئة الأعمال، فقد تتحول خلال العقد المقبل إلى نقطة جذب رئيسة لرؤوس الأموال العالمية في الاقتصاد المعرفي.
تشهد منطقة الخليج والشرق الأوسط تحوّلاً واضحاً نحو السيادة السحابية، حيث تركز الإمارات والسعودية على تطوير مراكز بيانات محلية تحمي البيانات الحساسة وتضمن الامتثال للقوانين الوطنية. هذه المراكز تدعم الخدمات الحكومية الرقمية، الذكاء الاصطناعي، والقطاع المالي، مع الحد من الاعتماد على مزوّدي الخدمات العالميين. ويُتوقع أن ينمو سوق السيادة السحابية في المنطقة بمعدل سنوي مركب يفوق 16% خلال السنوات المقبلة، مما يعزز مكانة الخليج كمركز إقليمي آمن ومتكامل للبنية التحتية الرقمية.