
دعا وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت صندوق النقد الدولي إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه السياسات الاقتصادية التي تشوه المنافسة العالمية، في انتقاد غير مباشر للصين، وسط تصاعد المخاوف بشأن الاختلالات التجارية المتزايدة واعتماد بكين على الصادرات لدعم اقتصادها.
وقال بيسنت، في بيان أعده لاجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي السنوية المنعقدة في بانكوك، الأربعاء، إن صناع السياسات حول العالم يواجهون نقاشات صعبة بشأن كيفية الحفاظ على الأنظمة الاقتصادية القائمة على آليات السوق، في ظل ممارسات تتبعها بعض الاقتصادات تؤدي إلى تشويه المنافسة والإضرار بالتوظيف.
وأضاف أن صندوق النقد الدولي تأسس أساساً لمنع مثل هذه السياسات المشوهة وآثارها السلبية العابرة للحدود، محذراً من أن المؤسسة الدولية تخاطر بفقدان دورها وتأثيرها إذا لم تتخذ موقفاً واضحاً من هذه القضية الحيوية.
وبحسب وكالة «بلومبرغ»، جاءت تصريحات بيسنت في بيان موجه إلى اللجنتين التوجيهـيتين لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بعدما قرر عدم حضور الاجتماعات السنوية شخصياً، وأوفد نائبه للمشاركة بدلاً منه.
رغم أن وزير الخزانة الأميركي لم يذكر الصين بالاسم عند حديثه عن السياسات المشوهة للأسواق، فإن تصريحاته تعكس انتقادات متكررة وجهها إلى بكين بسبب اعتماد اقتصادها على الصادرات، وضعف مساهمة الاستهلاك المحلي في النمو.
ويرى بيسنت أن السياسات الاقتصادية الصينية تؤدي إلى استمرار اختلالات تجارية كبيرة، من خلال تعزيز الإنتاج الموجه للأسواق الخارجية على حساب الطلب الداخلي، ما يفرض ضغوطاً على الصناعات وفرص العمل في اقتصادات أخرى.
وكان الوزير الأميركي قد أبلغ المشرعين في واشنطن، الشهر الماضي، بأن صندوق النقد الدولي يجري مناقشات متقدمة مع الصين بشأن طبيعة الاختلالات الاقتصادية لديها، والتهديدات المحتملة التي قد تشكلها للاستقرار المالي العالمي.
وفي سبتمبر، ترأس بيسنت اجتماعاً لمجموعة العشرين، قال إن 19 دولة من أصل 20 أيدت خلاله بياناً تقوده الولايات المتحدة، يحذر من عدم استدامة اعتماد الاقتصادات غير القائمة على آليات السوق على تدفق مستمر من الصادرات الرخيصة.
وأوضح أن الصين حالت دون التوصل إلى توافق كامل بين أعضاء المجموعة، ما منع إصدار بيان ختامي مشترك.
وشدد بيسنت، في تصريحاته الأربعاء، على ضرورة تعزيز صندوق النقد الدولي تحليلاته ومناقشاته بشأن دور السياسات والممارسات غير السوقية وأسعار الصرف في تفاقم الاختلالات الخارجية بين الاقتصادات.
تزامنت تصريحات وزير الخزانة الأميركي مع إعلان الصين، في وقت سابق الأربعاء، تسارع نمو صادراتها خلال سبتمبر، ما وضع فائضها التجاري على مسار تجاوز المستوى القياسي المسجل العام الماضي والبالغ 1.2 تريليون دولار.
ويعكس هذا التطور استمرار قوة القطاع التصديري الصيني، رغم الضغوط التجارية الدولية، في وقت تتزايد فيه المخاوف الأميركية بشأن تأثير تدفق المنتجات الصينية منخفضة التكلفة في الصناعات المحلية والأسواق العالمية.
كما يعزز ارتفاع الفائض التجاري الجدل بشأن مدى اعتماد ثاني أكبر اقتصاد في العالم على الطلب الخارجي، في مقابل الحاجة إلى تحفيز الاستهلاك المحلي وإعادة التوازن إلى محركات النمو.
وتأتي هذه التطورات في ظل تزايد الدعوات الأميركية إلى اضطلاع المؤسسات المالية الدولية بدور أكبر في مراقبة السياسات الاقتصادية التي تؤدي إلى اختلالات تجارية ومالية واسعة النطاق.
لم تقتصر مطالب بيسنت على صندوق النقد الدولي، إذ دعا البنك الدولي أيضاً إلى تعزيز اعتماد الدول على مواردها وقدراتها الذاتية، بدلاً من استمرار اعتمادها على التمويل الخارجي.
وقال وزير الخزانة الأميركي، في البيان الموجه إلى اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التابعة لصندوق النقد ولجنة التنمية التابعة للبنك الدولي، إن المؤسسة التنموية يجب أن تعمل على تعزيز قدرة الدول على تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي.
وفي هذا السياق، طالب بإزالة القيود المفروضة على تمويل البنك الدولي للمشروعات المرتبطة بالغاز الطبيعي، وكذلك مشروعات التنقيب عن النفط والغاز وإنتاجهما.
وتعكس هذه الدعوة توجه الإدارة الأميركية نحو منح مشروعات الوقود الأحفوري دوراً أكبر في سياسات تمويل التنمية، بما يتيح للدول الاستفادة من مواردها الطبيعية لتلبية احتياجاتها من الطاقة ودعم نموها الاقتصادي.
وتبرز تصريحات بيسنت مساعي واشنطن لإعادة توجيه أولويات المؤسستين الماليتين الدوليتين، عبر تشديد الرقابة على الاختلالات التجارية والسياسات غير السوقية من جهة، وتوسيع نطاق تمويل مشروعات الطاقة التقليدية من جهة أخرى، في وقت تتزايد فيه الخلافات بين الاقتصادات الكبرى بشأن التجارة والنمو وتمويل التنمية.