ديون الاقتصادات المتقدمة تقفز إلى 115%
عجز الموازنات الكبرى يتجاوز عتبة 8%

حذّر صندوق النقد الدولي من تزايد المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي، مع استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع عوائد السندات الحكومية وتفاقم الديون في الاقتصادات الكبرى.
وكشف تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، الصادر اليوم الثلاثاء، عن تدهور توقعات التضخم للعام المقبل، بالتزامن مع تصاعد تكاليف الاقتراض وتقلص قدرة الحكومات على مواجهة صدمات جديدة.
كما دعا الصندوق إلى استعادة الانضباط المالي وحماية استقلالية البنوك المركزية، في وقت يزيد فيه اقتراض الحكومات وشركات التكنولوجيا الضغوط على أسواق الدين والسياسة النقدية.
أبقى صندوق النقد الدولي توقعاته للتضخم العالمي عند 4.7% خلال العام الجاري، مع استمرار الضغوط السعرية التي عطلت مسار التراجع التدريجي للتضخم.
رفع الصندوق توقعاته للتضخم العالمي إلى 4.1% خلال العام المقبل، مقارنة مع 3.9% في تقديرات يوليو، بزيادة قدرها 0.2 نقطة مئوية.
قدّر صندوق النقد الدولي احتمال تجاوز التضخم العالمي 5% خلال 2027 بنحو 35%، ارتفاعاً من 30% في أبريل؛ ما يعكس استمرار المخاطر الصعودية للأسعار.
أوضح صندوق النقد الدولي أن اضطرابات الإمدادات والتوترات الجيوسياسية لا تزال تضغط على الأسعار، بينما تزيد طفرة الاستثمارات التكنولوجية قوة الطلب العالمي.
وأشار التقرير إلى أن الإنفاق الضخم على مراكز البيانات وأشباه الموصلات وتوليد الكهرباء يسبق تحقق مكاسب إنتاجية واسعة؛ ما يضيف مصدراً جديداً للضغوط التضخمية.
كذلك حذّر الصندوق من أن استمرار الصدمات قد يرفع توقعات التضخم لدى الأسر والشركات، ويجعل عودة الأسعار إلى المستويات المستهدفة أكثر صعوبة بالنسبة للبنوك المركزية.
دعا صندوق النقد الدولي البنوك المركزية إلى تحديد مسار الفائدة وفق طبيعة الضغوط التضخمية وظروف كل اقتصاد، مع الحفاظ على مصداقية السياسة النقدية واستقلاليتها.
وأوضح الصندوق أن تجاوز الصدمات السعرية المؤقتة قد يكون مناسباً إذا ظلت توقعات التضخم مستقرة، دون انتقال الارتفاعات إلى الأجور والأسعار الأساسية.
أيضاً حذّر من أن استمرار الصدمات أو ارتفاع توقعات التضخم قد يستلزم إبقاء السياسة النقدية مشددة أو زيادة أسعار الفائدة، رغم ما يترتب على ذلك من ضغوط على النمو والاقتراض.
شدد صندوق النقد الدولي على أهمية حماية استقلالية البنوك المركزية، في ظل ارتفاع تكاليف تمويل الحكومات وتزايد الضغوط الرامية إلى تخفيف أعباء الاقتراض.
وربط الصندوق قدرة السلطات النقدية على احتواء التضخم باستمرار ثقة المستثمرين في قرارات الفائدة، بعيداً عن احتياجات الموازنات العامة ومتطلبات تمويل العجز.
كما حذّر من أن تراجع مصداقية السياسة النقدية قد يزيد علاوات المخاطر وتوقعات التضخم؛ ما يرفع تكلفة الاقتراض طويل الأجل بدلاً من تخفيفها.
أوصى صندوق النقد الدولي، في مراجعته للاقتصاد الأميركي خلال أبريل، بتجنب خفض الفائدة مجدداً في 2026؛ ما لم تتراجع ضغوط التضخم وتتدهور سوق العمل بصورة ملموسة.
وربط الصندوق استقرار الاقتصاد الأميركي بقدرة الاحتياطي الفيدرالي على تثبيت توقعات التضخم، مع استمرار الضغوط الناجمة عن العجز المالي وارتفاع الدين العام.
كذلك أكدت المؤسسة أهمية الفصل بين أهداف السياسة النقدية واحتياجات الحكومة التمويلية، بما يحافظ على مصداقية الفيدرالي ويحد من انتقال المخاطر المالية إلى الأسواق.
توقع صندوق النقد الدولي استمرار بنك اليابان في رفع أسعار الفائدة تدريجياً نحو المستوى المحايد، رغم تباطؤ النمو الاقتصادي واستمرار التحديات المرتبطة بالتضخم.
وأشار الصندوق إلى أن الفائدة اليابانية بلغت 1.25%، وهو أعلى مستوى منذ 31 عاماً، بعدما تحرك البنك المركزي لاحتواء مخاطر استمرار التضخم فوق مستهدفه البالغ 2%.
كما أكدت المؤسسة أهمية مرونة أسعار الصرف في امتصاص الصدمات، مع إمكانية التدخل المؤقت عند اضطرابات السوق الاستثنائية التي تهدد الاستقرار المالي.
رصد صندوق النقد الدولي ارتفاع عوائد السندات الحكومية القياسية في الاقتصادات المتقدمة إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، مدفوعة بالتضخم وتوقعات الفائدة والمخاوف المالية.
ةأوضح التقرير أن تزايد احتياجات الحكومات للاقتراض يضيف ضغوطاً على أسواق الدين، بالتزامن مع توسع شركات التكنولوجيا في تمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي.
كما ربط الصندوق ارتفاع العوائد طويلة الأجل بتزايد تكاليف إعادة التمويل؛ ما يضغط على موازنات الحكومات والشركات ويقلص الموارد المتاحة للاستثمار والإنفاق.
لامست عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات 5.364% خلال الأسبوع الماضي، بينما بلغت عوائد الثلاثين عاماً 5.669%، قبل أن تتراجع مع تحسن الطلب في السوق.
أظهرت نتائج مزاد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات، بقيمة 39 مليار دولار، استمرار اهتمام المستثمرين بالدين الحكومي، رغم ارتفاع العوائد ومخاوف التضخم والعجز.
وبلغ معدل تغطية المزاد 2.77 مرة، في مؤشر إلى قوة الطلب مقارنة بحجم المعروض، لكن استمرار تقلب العوائد يعكس حساسية المستثمرين لتوقعات الفائدة والاقتراض الحكومي.
توقع صندوق النقد الدولي وصول العجز المالي في الاقتصادات المتقدمة إلى 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2026، مع استمرار ضغوط الإنفاق وارتفاع تكاليف التمويل.
كما قدّر الصندوق تجاوز العجز المالي في الولايات المتحدة والصين 8% من الناتج المحلي الإجمالي لكل منهما، في ظل استمرار احتياجات الاقتراض الحكومي عند مستويات مرتفعة.
كذلك حذّر من أن اتساع العجوزات يزيد إصدارات السندات ويضاعف حساسية الموازنات لارتفاع العوائد، خصوصاً مع استمرار الإنفاق الدفاعي وتكاليف خدمة الدين.
توقع صندوق النقد الدولي ارتفاع الدين العام في الاقتصادات المتقدمة إلى 115% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2031، مقابل 108% خلال عام 2025.
وقدّر الصندوق وصول الدين العام في الاقتصادات الناشئة والنامية إلى 84% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2031، مقارنة مع 74% في 2025.
التقرير أوضح أن استمرار العجوزات الأولية عند مستويات أعلى من فترة ما قبل الجائحة يزيد صعوبة احتواء الدين، خصوصاً مع ارتفاع الفائدة الحقيقية وتزايد الإنفاق العام.
حذّر صندوق النقد الدولي من أن قصر آجال استحقاق الديون يزيد تعرض الحكومات لمخاطر إعادة التمويل، إذ تضطر إلى تجديد التزاماتها بأسعار فائدة أعلى من السابق.
وأشار التقرير إلى أن ارتفاع العوائد الحقيقية يزيد كلفة خدمة الديون القائمة عند إعادة إصدارها؛ ما يقلص قدرة الحكومات على تمويل الخدمات والاستثمارات العامة.
الصندوق لفت إلى أن زيادة الإنفاق الدفاعي وتوسع احتياجات الاقتراض يفاقمان الضغوط على الموازنات، في وقت تتراجع فيه قدرة الحكومات على امتصاص الصدمات الاقتصادية.
أوضح صندوق النقد الدولي أن استخدام الاحتياطيات الإستراتيجية وتنويع مصادر الإمدادات ساعد الاقتصادات على تجاوز جانب من صدمات الحرب، لكنه حذّر من تقلص هذه الوسائل الوقائية.
وأشار الصندوق إلى أن استنزاف مخزونات الطاقة يتزامن مع ارتفاع الديون وضيق الحيز المالي؛ ما يضعف قدرة بعض الاقتصادات على مواجهة اضطرابات جديدة دون تحمل أعباء إضافية.
كما شدد التقرير على ضرورة إعادة بناء الحيز المالي الحكومي، بما يسمح بالتعامل مع الأزمات المقبلة دون زيادة العجز أو تعريض استدامة الدين والاستقرار الاقتصادي لمخاطر أكبر.
دعا صندوق النقد الدولي الحكومات إلى اعتماد خطط موثوقة لضبط العجز والدين، مع الحفاظ على استقلالية البنوك المركزية وقدرتها على اتخاذ قرارات الفائدة وفق تطورات التضخم.
وشدد الصندوق على ضرورة أن يكون الدعم المقدم للأسر المتضررة من ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة مؤقتاً وموجهاً، لتجنب زيادة الأعباء المالية أو إحداث تشوهات في الأسواق.
كذلك ربط التقرير استقرار أسواق السندات واستدامة النمو باستعادة الثقة في السياسات المالية والنقدية، وإعادة بناء قدرة الحكومات على مواجهة الصدمات المستقبلية.