logo
اقتصاد

لماذا تتفاءل المؤسسات المالية الدولية باقتصادات الخليج رغم أزمة هرمز؟

بدر الهاجري: الاحتياطيات تمنح اقتصادات الخليج مساحة لمواجهة الصدمات

عبداللطيف العزعزي: الممرات البديلة تعزز مرونة التجارة الخليجية

- حسن الريس: توطين التكنولوجيا يفتح فرصاً جديدة للقطاع الخاص

لماذا تتفاءل المؤسسات المالية الدولية باقتصادات الخليج رغم أزمة هرمز؟
قطارات الاتحاد للبضائع تنقل حاويات تابعة لمجموعة موانئ أبوظبي داخل دولة الإمارات.المصدر: وكالة أنباء الإمارات (وام)
تاريخ النشر:

دفعت التوترات الإقليمية واضطرابات التجارة والطاقة المؤسسات الدولية إلى خفض توقعاتها لاقتصادات الخليج، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن شبكة واسعة من عناصر القوة التي تستطيع دول المنطقة استخدامها لحماية الإنفاق والوظائف واستمرارية الأعمال.

ووفقاً لأحدث تقديرات البنك الدولي، يُتوقع انكماش اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي بنحو 4.3% خلال 2026، مقارنة بتوقعات سابقة بنمو قدره 4.4%. غير أن الصورة تختلف من دولة إلى أخرى؛ إذ رجّح البنك انكماش اقتصاد الإمارات 1.6% وقطر 20.9%، مقابل نمو الاقتصاد السعودي بنحو 2%.

ولا تعني هذه التقديرات أن اقتصادات المنطقة تتحرك في اتجاه واحد، إذ ترتبط قدرة كل دولة على احتواء الصدمة بحجم احتياطياتها، وتنوع اقتصادها، وامتلاكها منافذ تصدير خارج الممرات المتأثرة، فضلاً عن قدرة الحكومات على مواصلة الإنفاق، وتوفير التمويل، وحماية سلاسل الإمداد.

ويرى خبراء تحدثوا إلى «إرم بزنس» أن المرحلة الحالية قد تتحول من اختبار قصير الأجل إلى فرصة لتسريع التكامل الخليجي، وتوجيه الاستثمارات السيادية نحو قطاعات منتجة، وتطوير طرق بديلة للتجارة، ومنح القطاع الخاص دوراً أكبر في النمو وخلق الوظائف.

أخبار ذات صلة

محمد الرحيلي، نائب الرئيس والمدير العام لشركة إتش بي إي في منطقة الشرق

«إتش بي إي»: السيادة الرقمية تقود طفرة الذكاء الاصطناعي في الخليج

الاحتياطيات تمنح الحكومات مساحة لحماية المشروعات والوظائف

قال الخبير الاقتصادي ورئيس الاتحاد العربي للذكاء الاصطناعي والبرمجة بدر بن دلهم الهاجري لـ«إرم بزنس» إن الاحتياطيات السيادية والملاءة المالية تمثلان صمام أمان لاقتصادات الخليج، لأنهما تمنحان الحكومات القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية والمحافظة على الإنفاق التنموي والمشروعات الإستراتيجية، والحد من انتقال آثار التباطؤ إلى الاستثمار والتوظيف.

لكن الهاجري شدَّد على أن حجم الاحتياطيات ليس العامل الوحيد، موضحاً أن الأهم يتمثل في كفاءة إدارتها وتوظيفها ضمن رؤية طويلة الأجل توازن بين الحفاظ على الاستقرار المالي وتمويل متطلبات التنمية.

وأشار إلى أن قطر تقدم نموذجاً مهماً في الإدارة الإستراتيجية للموارد والاستثمار في البنية التحتية والقطاعات غير النفطية، ضمن رؤية تعتبر أن قوة الاقتصاد لا تقاس بحجم الإيرادات فقط، وإنما بقدرته على مواجهة الأزمات ومواصلة التنمية.

وأضاف أن التوترات الحالية تزيد أهمية توجيه الإنفاق إلى المشروعات ذات القيمة المضافة، مع المحافظة على المرونة المالية وتنويع مصادر الدخل، حتى لا تتحوّل الصدمات المؤقتة إلى تحديات طويلة الأمد.

وقال الهاجري: «الاحتياطيات تمنح الاقتصاد وقتاً ومساحة للتحرّك، لكن السياسات الرشيدة هي التي تحوّل هذه الميزة المالية إلى استقرار ونمو مستدامين».

واتفق حسن الريس مع أهمية المصدات المالية، معتبراً أن الصناديق السيادية تستطيع دعم استمرار المشروعات التنموية الكبرى والمحافظة على النشاط الاقتصادي.

 كما رأى أن قوة المراكز المالية والتصنيفات الائتمانية لدول الخليج توسّع خيارات التمويل المتاحة، بما فيها الصكوك والسندات الخضراء، وتساعد الحكومات والشركات على تمويل المشروعات طويلة الأجل.

وبحسب الريس، فإن الاستفادة من أي زيادة في الإيرادات يجب ألا تقتصر على معالجة الاحتياجات الآنية، بل ينبغي توجيه جزء منها إلى القطاعات غير النفطية والاستثمارات التي تحمي الوظائف وتزيد الإنتاجية.

أخبار ذات صلة

مأمون حميدان. الرئيس التنفيذي للأعمال لدى "شركة ويجو الشرق الأوسط".

«ويغو»: حجوزات السفر في الخليج تعود إلى 95% من مستويات 2025

ممرات بديلة تعيد هندسة التجارة الخليجية

لا تقتصر خطوط الدفاع الخليجية على الاحتياطيات المالية، إذ تمنح شبكة الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمطارات المنطقة قدرة أكبر على إعادة توجيه حركة التجارة عند تعطل أحد الممرات.

وقال مستشار الاقتصاد وريادة الأعمال عبداللطيف العزعزي لـ«إرم بزنس» إن دول الخليج تمتلك مقومات صلبة لاحتواء التداعيات الإقليمية، في مقدمتها الاحتياطيات السيادية، ومرونة القطاعات غير النفطية، والبنية التحتية البديلة، ومنها خطوط الأنابيب والموانئ الواقعة خارج مضيق هرمز.

ويرى العزعزي أن الإمارات قادرة على تحويل بنيتها التحتية متعددة المنافذ إلى اقتصاد عبور متكامل، من خلال تعزيز دور الفجيرة بوصفها بوابة لوجيستية خارج المضيق، وربط المناطق الصناعية مباشرة بشبكات السكك الحديدية والموانئ.

وأوضح أن هذا النموذج يمكنه اختصار المسافة بين الميناء والمصنع، وتسهيل عمليات الشحن والتخليص، وجذب استثمارات جديدة إلى الخدمات اللوجيستية والصناعات المرتبطة بها، بما يخلق وظائف تتجاوز المدن والمراكز الاقتصادية التقليدية.

وأشار العزعزي إلى مشروع «حفيت للقطارات»، الذي يربط شبكة السكك الحديدية الإماراتية بميناء صحار في سلطنة عمان، باعتباره نموذجاً لممر بري وبحري متكامل يستطيع خدمة حركة التجارة مع آسيا وإفريقيا.

وحدد ثلاثة مشروعات رئيسة يرى أنها ضرورية لتعزيز الربط الخليجي وتقليل أزمنة النقل، وهي تفعيل شبكة السكك الحديدية الخليجية، وإنجاز الجسر البري السعودي الذي يربط جدة على البحر الأحمر بالدمام على الخليج العربي، إلى جانب توحيد الإجراءات الجمركية والأنظمة الرقمية بين دول المجلس.

وقال العزعزي: إن توسع شبكات السكك الحديدية والخدمات اللوجيستية يستطيع إنشاء مراكز اقتصادية وفرص عمل جديدة خارج المدن الكبرى، خصوصاً حول المحطات والموانئ والمجمعات الصناعية.

أما الريس، فرأى أن موانئ صلالة والدقم والفجيرة وخورفكان، إلى جانب موانئ البحر الأحمر، تمنح المنطقة بدائل إضافية عند تأثر المسارات البحرية التقليدية.

وأضاف أن المطارات الخليجية لم تعد مجرد نقاط لنقل المسافرين، وإنما أصبحت جزءاً من منظومة تأمين سلاسل الإمداد، ولا سيما للبضائع مرتفعة القيمة والأدوية والمكونات الإلكترونية التي تحتاج إلى نقل سريع.

ودعا إلى استكمال الربط المادي بمنظومة تجارية رقمية موحدة تتيح تتبع الشحنات وتسريع التخليص الجمركي عبر الحدود، بما يقلل زمن النقل والتكلفة الإدارية ويزيد جاذبية الممرات الخليجية.

أخبار ذات صلة

فرع لبنك الإمارات دبي الوطني في «مول الإمارات» في دبي، الإمارات العربية المتحدة، 30 ديسمبر 2018

الفائدة فوق 4% قريباً.. هل حان وقت الإيداع في بنوك الخليج؟

القطاع الخاص أمام فرصة لإعادة توطين سلاسل الإمداد

يعتقد الريس أن الاضطرابات الدولية قد تدفع شركات عالمية ومحلية إلى زيادة التخزين أو نقل بعض أنشطة التصنيع والخدمات إلى المناطق الحرة والمجمعات الصناعية الخليجية لضمان استمرارية أعمالها.

وقال إن المنطقة تستطيع استثمار هذه التحولات عبر الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها وتوطين المعرفة، مع زيادة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والصناعات التقنية المتقدمة، ومنها أشباه الموصلات.

وأشار إلى أن توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة في الخدمات قد يقلل زمن تنفيذ المعاملات والاستجابة للاضطرابات، كما قد يفتح المجال أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة لدخول سلاسل توريد الشركات الكبرى وتقديم حلول في التشغيل والأمن السيبراني والخدمات اللوجيستية.

ويرى الهاجري أن تعزيز مساهمة القطاع الخاص يتطلب وضوح التشريعات وتبسيط الإجراءات وتسهيل الوصول إلى التمويل وتحفيز المنافسة، إلى جانب توسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

وأضاف أن دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل يساعدان على نقل الاقتصاد من الاعتماد الواسع على الإنفاق الحكومي إلى نموذج يقود فيه القطاع الخاص جانباً أكبر من الإنتاج والابتكار وخلق الوظائف.

ولا يعني ذلك، بحسب الهاجري، تراجع دور الدولة، بل تحوله بصورة أكبر نحو بناء بيئة استثمارية قادرة على تحفيز النشاط الخاص واستقطاب رؤوس الأموال والخبرات.

كما اعتبر أن المرحلة الحالية تتيح للصناديق السيادية إعادة تقييم أولوياتها وتوجيه جزء مدروس من استثماراتها إلى مشروعات محلية ترفع الإنتاجية وتوفر وظائف مستدامة، خصوصاً في الصناعة والتكنولوجيا والخدمات اللوجيستية والأمن الغذائي والطاقة النظيفة.

وأكد أن هذه الاستثمارات يجب أن تخضع لدراسات جدوى ومعايير واضحة للعائد والمخاطر، مع عدم التخلي عن التنويع الجغرافي لمحافظ الصناديق السيادية.

وقال الهاجري إن دور الصناديق لا يقتصر على ضخ الأموال، إذ يمكنها الدخول في شراكات مع القطاع الخاص واستقطاب الاستثمار الأجنبي ودعم المشروعات التي تنقل التكنولوجيا وتوطّن المعرفة وتزيد الصادرات، على أن تُقاس نتائجها بالقيمة المضافة وفرص العمل، لا بحجم التمويل وحده.

الاستثمار في الإنسان يحدد قوة التعافي

يربط الخبراء استدامة المرونة الاقتصادية بقدرة دول الخليج على تطوير رأس المال البشري، وليس بالبنية التحتية والاحتياطيات وحدهما.

وقال الريس: إن استقطاب الكفاءات العلمية والتقنية، بالتوازي مع تمكين المواطنين، يمثل ركيزة أساسية لبناء اقتصاد معرفي قادر على المنافسة. وأشار إلى أن أنظمة الإقامة طويلة الأجل وجودة الحياة تستطيعان تحويل أصحاب المهارات والمستثمرين من زوار مؤقتين إلى شركاء يستقرون مع عائلاتهم ويؤسسون شركات ويضخون استثمارات طويلة الأمد.

وأضاف أن الاحتفاظ بهذه الكفاءات يرتبط كذلك بجودة الرعاية الصحية والتعليم والجامعات ومؤسسات البحث، وهي قطاعات تستطيع بدورها جذب استثمارات جديدة وخلق وظائف متخصصة وتطوير السياحة العلاجية.

وفي المقابل، أكد الريس أهمية دمج المواطنين الشباب في برامج تدريب وتأهيل مرتبطة باحتياجات قطاعات المستقبل، وتوفير التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، حتى يصبح المواطنون شركاء مباشرين في قيادة النمو بمجالات الذكاء الاصطناعي والصناعة المتقدمة والطاقة المتجددة.

مبنى جهاز قطر للاستثمار في مركز الخليج الغربي المالي، في الدوحة، 3 نوفمبر 2017
مبنى جهاز قطر للاستثمار في مركز الخليج الغربي المالي، في الدوحة، 3 نوفمبر 2017المصدر: «رويترز»

ويرى العزعزي أن نجاح اقتصادات الخليج لن يُقاس بقدرتها على امتصاص الصدمة الراهنة فحسب، بل بمدى قدرتها على تحويلها إلى حافز لتسريع التنويع والتكامل الاقتصادي.

وقال إن الدول التي تحسن إدارة مواردها، وتستثمر في الإنسان، وتمنح القطاع الخاص مساحة أوسع للنمو، ستكون الأقدر على حماية مكتسباتها وتعزيز تنافسيتها على المدى الطويل.

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، قد تسجل اقتصادات الخليج انتعاشاً بنحو 7.8% في 2027 إذا هدأت التوترات واستعادت الصادرات نشاطها. لكن نوعية هذا التعافي ستبقى أهم من رقمه؛ فالاختبار الحقيقي هو مقدار النمو الذي ستولده الصناعة والخدمات والتكنولوجيا والتجارة، وعدد الوظائف المستدامة التي يمكن بناؤها بعيداً عن التقلبات المؤقتة في الإيرادات.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف