logo
اقتصاد

الجدول الموحد للمرتبات في ليبيا.. ضغوط إضافية تشد الخناق على الموازنة

الجدول الموحد للمرتبات في ليبيا.. ضغوط إضافية تشد الخناق على الموازنة
موظفون في محطة كهرباء في مدينة مصراتة بليبيا - 9 يوليو 2020.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

اختبار جديد ينتظر الموازنة الليبية مع تحرك حكومي نحو تنفيذ جدول موحد للمرتبات الذي يلتهم بندها 73.3 مليار دينار (نحو 11 مليار دولار) سنوياً في باب الإنفاق الحكومي لاسيما مع زيادة محتملة بنسبة 10% ما يفتح نقاشاً يتجاوز بند زيادة الأجور إلى قانونيتها في ظل الانقسام، وقدرة المالية العامة على تحمل أعبائها.

ويرى خبراء اقتصاد واستثمار تحدثوا لـ«إرم بزنس» أن بند المرتبات الحكومية الذي يخاطب نحو 80% من العمالة تصل إلى 3 ملايين عامل وموظف بليبيا قد يكون باباً للإصلاح المالي لكنه يحتاج لعوامل أخرى أهمها السلامة القانونية أولاً عبر إقرار مجلس النواب لهذا الجدول وتوفير موارد لها وإلا ستخنق الموازنة، متوقعين ألا يعمم ذلك الجدول في ظل الانقسام بين حكومتين بالشرق والغرب وعدم توافر الشروط القانونية لهذا المسار بعد.

واستحوذت رواتب موظفي القطاع الحكومي على نحو 53.6% من إجمالي الإنفاق العام في ليبيا خلال 2025، إذ بلغت نحو 73.3 مليار دينار، من إجمالي إنفاق قدره 136.8 مليار دينار، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي.

أخبار ذات صلة

موظف في مكتب صرافة يستخدم آلة عدّ النقود لفرز أوراق الدينار الليبي في طرابلس، 27 أبريل 2016.

الدينار الليبي أمام 5 شروط للاستقرار.. هل تنجح الموازنة الموحدة؟

قرار جديد

وفي 6 أكتوبر الجاري، اعتمد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، جدول مرتبات موحد لجميع الموظفين، وذلك بزيادة قدرها 10%، مع إعداد مقترح بشأن علاوات التمييز للوظائف ذات الطبيعة الخاصة مع عرضها لاحقاً على مجلس الوزراء للاعتماد مع إلغاء جميع القرارات واللوائح السابقة ذات الصلة، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الليبية الرسمية.

ويأتي اعتماد الجدول الموحد بالتزامن مع انتهاء أزمة إضراب المعلمين الذي بدأ مع انطلاق العام الدراسي في 13 سبتمبر الماضي.

وبحسب الأرقام المعلنة، يبدأ الراتب الأساسي للدرجة الأولى من 825 ديناراً ليبياً، (128 دولاراً)، بينما يصل إلى 4219 ديناراً للدرجة السادسة عشرة. 

وتعاني ليبيا من أزمة اقتصادية لافتة منذ بداية العام وفي 18 يناير الماضي، خفّض البنك المركزي قيمة العملة (الدينار)، للمرة الثانية خلال 9 أشهر، بنسبة 14.7% بهدف «الحفاظ على الاستقرار المالي»، مرجعاً قراره إلى الغياب المستمر لميزانية دولة موحدة، واستمرار ازدواجية الإنفاق.

وفي 2024، سجل الإنفاق المزدوج 224 مليار دينار (نحو 46 مليار دولار) وفق بيان للمصرف المركزي في أبريل 2025، مما دفعه وقتها إلى خفض قيمة الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية بنسبة 13.3%، ليصبح 5.5677 دينار مقابل الدولار، في أول خفض رسمي منذ العام 2020، وسط مطالب للحكومتين بضغط الإنفاق.

واتفق الفرقاء الليبيون، في أبريل 2026، برعاية ومساندة دولية على اعتماد أول ميزانية موحدة للدولة بقيمة إجمالية بلغت نحو 190 مليار دينار ليبي (ما يعادل قرابة 30 مليار دولار)، في خطوة تاريخية تعد الأولى من نوعها منذ أكثر من 13 عاماً من الانقسام المالي، دون أن تدخل حيز التنفيذ بعد، بحسب تقارير إعلامية ليبية.

مقترح أمامه تحديات

ويعتقد رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية المحلل الاقتصادي، خالد بوزعكوك، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن جدول المرتبات الموحد من حكومة الوحدة الوطنية، يعد الآن مجرد مشروع قرار ولن يصبح نافذاً إلا بتصديق مجلس النواب عليه.

وأوضح خالد بوزعكوك أنه «قد يلغي تطبيق  الجدول الموحد التفاوت الكبير في المرتبات بين  المواطنين للدرجة الوظيفة نفسها، ولكنه على الصعيد الاقتصادي لا يرقى بمستوى العيش الكريم في مواجهة التضخم وقد يلاقي رفضاً من المضربين في قطاعي التعليم والصحة». 

موظفون يعملون في مركز الأعمال التابع لمصرف الوحدة الحكومي في بنغازي، ليبيا - 31 أغسطس 2021.
موظفون يعملون في مركز الأعمال التابع لمصرف الوحدة الحكومي في بنغازي، ليبيا - 31 أغسطس 2021.المصدر: رويترز

ونبّه بوزعكوك إلى أن «بند المرتبات يسجل  73.3 مليار دينار، ويعود ارتفاع المبلغ لتكدس وظيفي مع وصول العدد إلى قرابة 3  ملايين موظف وعامل حيث يشكل العمل في القطاع العام 80% تقريباً من إجمالي القوى العاملة في الدولة يقابله إنتاجية معطلة تكاد  لا تذكر مع ضعف دور القطاع الخاص في العملية الاقتصادية».

وثمة عقبة ستواجه التنفيذ، بحسب بوزعكوك، تتمثل في أن «هناك فئات تتمتع بمزايا حالياً في المرتبات وبدأت تعارض تطبيق هذا الجدول كموظفي ديوان المحاسبة والرقابة الإدارية وغيرهم وندخل في دائرة الاعتصامات والإقفالات في دائرة مفرغة لا تنتهي ولا تتوقف». 

ويعتقد بوزعكوك أن «الحل الأمثل هو تعزيز القوة الشرائية للدينار وخفض سعر الدولار وتقنين الاستيراد وخفض معدل التضخم وترشيد الإنفاق العام للحكومتين إلى حين التوافق على حكومة واحدة وتعزيز مصادر الدخل المحلي من ضرائب وعوائد ورسوم جمركية وتنويع الاقتصاد الليبي  المعتمد حالياً على صادرات النفط فقط ويساهم بنسبة 90% في تمويل الميزانية والمرتبات والأجور».

عقبة قانونية قبل المسار المالي

ويرى أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، حلمي أحمد القماطي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أنه من الناحية الاقتصادية فإن توحيد المرتبات يمكن أن يسهم في الحد من التشوهات بين القطاعات، مشيراً إلى أن زيادة المرتبات بنسبة 10% لا تعني بالضرورة تحسناً مماثلاً في مستوى معيشة الموظف؛ لأنها قد تتآكل مع ارتفاع الأسعار وتكون العبرة الحقيقية هي بمدى ارتفاع دخله الحقيقي مقارنة بمعدل التضخم وتكاليف المعيشة.

وعن إمكانية أن تتحمل الموازنة العامة هذه الزيادة، يجيب القماطي قائلاً: «الإنفاق على المرتبات يمثل التزاماً متكرراً، وليس نفقة مؤقتة، وإذا لم يقابله تحسن في الإيرادات المستدامة أو إعادة ترتيب كفاءة الإنفاق العام، فقد يؤدي إلى زيادة العجز والضغط على السيولة وسعر الصرف، أو إلى مزاحمة الإنفاق الاستثماري والخدمات الأساسية». 

ويشير القماطي إلى بعد قانوني في القرار المثار، موضحاً أن القرار يتعارض مع قوانين صادرة من السلطة التشريعية والقرار الإداري لا يعلو على القانون، ولا يجوز أن يستخدم لإلغاء حكم تشريعي أو الانتقاص منه. 

أخبار ذات صلة

لقطة جوية للعاصمة الليبية طرابلس، في 21 مايو 2022.

ليبيا توحّد ميزانيتها بـ30 مليار دولار.. هل تنجح هذه المرة؟

ماذا عن القطاع الخاص؟

وعن إمكانية استفادة القطاع الخاص من هذا المسار ، يرى المستثمر الليبي، حسني بي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن العامل والموظف قي القطاع الخاص لا يحصل على زيادة مماثلة، بينما يتحملون الارتفاع العام في الأسعار.

ويرى أن الجدول الموحد يمكن أن تكون له فوائد إذا طُبق بصورة صحيحة، منها تقليص الفوارق بين الجهات الحكومية، وتحسين شفافية فاتورة الأجور..  

وأضاف أن التحدي الأساسي هو مصدر التمويل، فإذا موّلت الزيادة من وفر حقيقي وإعادة هيكلة الإنفاق، وخصوصاً استبدال دعم الطاقة والمحروقات بدعم نقدي مباشر للمواطن، فقد يتحسن دخل الموظف دون إضافة ضغط تضخمي كبير.

أما إذا أضيفت الزيادة فوق إنفاق متضخم أصلاً، ومُوّلت بعجز جديد وخلق نقود، فإن النتيجة ستكون ارتفاع السيولة والطلب على الدولار والواردات، ثم زيادة الضغط على سعر الصرف والأسعار، بما يؤدي في النهاية إلى تآكل الزيادة نفسها، بحسب تقديرات حسني بي.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف