
تتجه أسهم شركات أشباه الموصلات إلى محو أكثر من تريليون دولار من قيمتها السوقية، مع تفاقم موجة البيع التي تضرب القطاع، وسط مخاوف متزايدة بشأن ارتفاع أسعار الفائدة، والمبالغة في تقييمات الأسهم، والتكاليف الضخمة اللازمة لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وبحسب تقرير لوكالة «بلومبرغ»، الأربعاء، تراجع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات، المعروف باسم «سوكس»، بنسبة 3.1% خلال التعاملات، لترتفع خسائره إلى نحو 10% خلال الجلسات الست الماضية، في طريقه لتسجيل أطول سلسلة خسائر متتالية منذ مايو 2025.
وشملت موجة الهبوط معظم الشركات المدرجة في المؤشر، إذ فقد أكثر من نصفها ما لا يقل عن 10% من قيمته خلال الفترة نفسها، في إشارة إلى اتساع الضغوط البيعية التي تواجه قطاع التكنولوجيا.
وتصدرت أسهم شركة «آرم هولدينغز» قائمة الخاسرين بتراجع اقترب من 20%، فيما انخفض سهم «أبلايد ماتيريالز» بنحو 15%، وتراجع سهم «إنتل» بنسبة 11%.
في المقابل، كانت شركة «غلوبال فاوندريز» الوحيدة التي تمكنت من تسجيل مكاسب خلال الجلسات الست، متفوقة على بقية شركات القطاع.
ونقلت «بلومبرغ» عن أولريكه هوفمان بورشاردي، من مكتب الاستثمار الرئيسي في بنك «يو بي إس»، قولها إن الضغوط على أسهم شركات الرقائق الإلكترونية العالمية تصاعدت خلال الأيام الأخيرة، بفعل احتدام المنافسة في قطاع الذكاء الاصطناعي، وارتفاع متطلبات التمويل، إلى جانب زيادة أسعار الفائدة.
وأضافت أن هذه العوامل قد تؤدي إلى موجات متكررة من التقلبات، لكنها اعتبرت التراجعات الأخيرة أقرب إلى إعادة تقييم لتوقعات المستثمرين، وليست تحولاً جوهرياً في آفاق الاستثمار بالذكاء الاصطناعي.
وتعرضت الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عالمياً لموجة بيع واسعة خلال الأسبوع الماضي، بعدما كانت شركات أشباه الموصلات من أبرز المستفيدين من التدفقات الاستثمارية الضخمة نحو القطاع.
وزادت تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة «برودكوم»، هوك تان، الضغوط على السوق، بعدما شبّه في وقت سابق من الأسبوع بعض المستثمرين الذين يندفعون وراء طفرة الذكاء الاصطناعي بالمقامرين، محذراً من احتمال مواجهة القطاع قيوداً تمويلية.
وتعكس هذه التحذيرات مخاوف متنامية بشأن قدرة الشركات على مواصلة الإنفاق بمئات المليارات من الدولارات على مراكز البيانات والرقائق المتطورة، ومدى سرعة تحول هذه الاستثمارات إلى أرباح مستدامة.
وجاءت موجة التراجع الأخيرة عقب صدور بيانات أظهرت ارتفاع التضخم الأميركي في سبتمبر بأكثر من المتوقع، ما عزز رهانات المستثمرين على مواصلة مجلس الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة، حتى في حال قرر تثبيتها خلال اجتماعه المرتقب في وقت لاحق من أكتوبر.
ويمثل ارتفاع الفائدة تحدياً إضافياً لشركات التكنولوجيا، ولا سيما تلك التي تتداول أسهمها عند تقييمات مرتفعة تستند إلى توقعات نمو الأرباح مستقبلاً، إذ يؤدي ارتفاع عوائد السندات إلى تقليص جاذبية هذه التقييمات.
كما تزيد تكاليف الاقتراض المرتفعة الأعباء المالية المرتبطة بتوسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، في وقت تحتاج فيه الشركات إلى استثمارات ضخمة لمواكبة الطلب المتزايد على قدرات الحوسبة.
تتجه أنظار وول ستريت إلى شركة «أنثروبيك» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، التي تستعد لتقديم عرض لمجموعة مختارة من المستثمرين خلال فعالية في سان فرانسيسكو، في وقت لاحق الأربعاء.
ويراقب المستثمرون بصورة خاصة مؤشرات الإيرادات السنوية للشركة، بحثاً عن أدلة جديدة على قوة الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي، ومدى قدرة الشركات العاملة في القطاع على تحقيق عوائد تبرر الإنفاق الاستثماري المتسارع.
ورغم الخسائر الحادة، لا يزال بعض المحللين ينظرون إلى التراجعات باعتبارها تصحيحاً للتوقعات المفرطة، وليس نهاية لدورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، دعت هوفمان بورشاردي المستثمرين إلى التركيز على الشركات التي يترجم فيها الإنفاق على الذكاء الاصطناعي إلى نمو مستدام في الأرباح، إلى جانب اتساع اعتماد الشركات والمستهلكين على هذه التكنولوجيا.
وتضع موجة البيع الحالية قطاع أشباه الموصلات أمام اختبار جديد، يتمثل في قدرة النمو الفعلي للأرباح على مواكبة التقييمات المرتفعة، بعدما أصبح المستثمرون أكثر حساسية لتكاليف التمويل والعائد الاقتصادي للاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي.