
على طريق عمّان – دمشق، لا تهدأ حركة الشاحنات المحمّلة بالأسمنت والرخام والمواد الغذائية، فبعد سنوات من الجمود، تعود سوريا تدريجياً إلى قلب التجارة العربية، فاتحةً شهية العواصم المجاورة على ممر بري طال انتظاره يربط الخليج بتركيا وأوروبا، هذا المشهد المتجدد يتزامن مع اجتماعات مرتقبة في عمّان، تسعى لوضع أسس اتفاق شامل يعيد فتح معبر باب الهوى ويعزز انسيابية البضائع والمسافرين عبر الشمال السوري.
الأرقام الرسمية أظهرت قفزة لافتة في التبادل التجاري بين الأردن وسوريا، فالصادرات الأردنية ارتفعت بنسبة 405% خلال النصف الأول من العام الحالي، لتسجل 106 ملايين دينار مقابل نحو 21 مليوناً فقط في الفترة ذاتها من العام الماضي، كما زادت الواردات من سوريا بنسبة 77%، لتبلغ 46 مليون دينار مقارنة مع 26 مليوناً، هذه الطفرة تعكس تأثيراً مباشراً لتسهيل العبور عبر معبر جابر نصيب وتزايد الطلب السوري على مواد البناء والغذاء والكيماويات.
الاجتماعات الثلاثية المنتظرة بين الأردن وسوريا وتركيا تهدف لوضع تصور متكامل يعيد الممر البري إلى الواجهة، مسار يربط الخليج عبر الأردن وسوريا بتركيا وأوروبا، هذا التحرك يضع دمشق مجدداً كحلقة وصل محورية في التجارة الإقليمية، ويعزز فرص الأردن في أن يتحول إلى ممر لوجستي رئيسي، خصوصاً في محافظات الشمال حيث تنشط حركة النقل والتخزين والخدمات المساندة.
وتشير البيانات إلى أن أبرز السلع الأردنية المصدَّرة لسوريا تشمل الأسمنت والحديد والرخام والبلاط ومنتجات كيماوية وزراعية وغذائية، فيما يزداد الطلب على سلع إعادة التصدير بفضل تسهيل مرور الشاحنات، هذه التركيبة تعكس حاجة السوق السورية لمستلزمات الإعمار والإنتاج، وتفتح الباب أمام الصناعات الأردنية لزيادة حصتها.
ميناء العقبة بدوره يستعد لمواكبة التحولات بعد أن سجّل نمواً لافتاً في المناولة خلال الأشهر الماضية، ما يجعله مؤهلاً لخدمة حركة الترانزيت الجديدة نحو سوريا ثم إلى دول الشمال، وتبرز هنا أهمية جاهزية الميناء وتوافر أسطول كافٍ من الشاحنات وتسهيل الخدمات اللوجستية لتفادي أي اختناقات.
أما معبر جابر، المحور الأهم في الحركة التجارية بين البلدين، فقد شهد منذ نهاية العام الماضي تسهيلات كبيرة، أبرزها السماح للشاحنات الأردنية بالدخول المباشر إلى الأراضي السورية، ما خفّض كلفة النقل وسرّع الانسياب، وتشير التقديرات إلى مرور ما بين 600 – 700 شاحنة يومياً، مع توقعات بارتفاع العدد مع تقدم المباحثات الإقليمية.
رئيس غرفة تجارة الأردن وعمان، خليل الحاج توفيق، أكد ضرورة إلغاء حظر استيراد السلع السورية، مشيراً إلى أهمية توسعة الحدود في جابر والساحات الجمركية وتسريع إنجاز المعاملات، خصوصاً مع الفتح الوشيك لمعبر باب الهوى، لتعزيز حركة الترانزيت دون أزمات أو ازدحام، وأضاف أن زيادة الصادرات تعتمد على توقف الإنتاج السوري وعدم جاهزية المصانع، ما يفتح المجال أمام إنشاء مركز تجاري أردني في دمشق أو ملحق متخصص ليكون جسر وصل بين القطاعين، وأشار إلى تحضيرات لعقد مؤتمر اقتصادي قريب في سوريا لتفعيل الشراكات وتحقيق التكامل.
عضو مجلس إدارة غرفة تجارة عمان، أسعد القواسمي، قال إن 600 إلى 700 شاحنة أردنية تدخل سوريا يومياً محملة بالبضائع، وهو رقم مضاعف عن السابق، مشيراً إلى أن نحو 50 منها محمّلة بالأسمنت ومواد أولية للإنشاء، إضافة إلى نحو 100 حاوية تصل من ميناء العقبة إلى جابر وتُحمّل عبر شاحنات سورية.
كما أوضح ممثل قطاع الألبسة أن استيراد الملابس السورية متوقف حالياً، وفتح المجال لها سيعزز النشاط التجاري ويزيد التكامل بين الأسواق.
رغم الزخم المتصاعد، تبقى التحديات قائمة، خصوصاً في ما يتعلق بالتحويلات المالية والامتثال للعقوبات، ورغم بعض التخفيف في العقوبات الغربية على سوريا، إلا أن شركات النقل والتجارة مطالَبة بالتحقق من الأطراف المقابلة وتوثيق المعاملات لتفادي أي مخاطر قانونية أو مرتبطة بالسمعة، كما أن البنوك مطالَبة بإدارة دقيقة للمدفوعات عبر قنوات موثوقة، في ظل استمرار إدراج بعض الكيانات على قوائم الحظر.
العودة التدريجية للسوق السورية فتحت آفاقاً جديدة أمام محافظات الشمال الأردني، حيث تنشط شركات النقل والمخازن ومكاتب التخليص على طول محور المفرق – إربد، كما ارتفع الطلب على المنتجات الزراعية والبرادات المجهزة للتصدير، ما انعكس إيجاباً على أسواق الجملة والمزارعين والتجار.
وفي حال نجاح الاجتماعات المرتقبة في عمّان وتثبيت اتفاقات لوجستية وجمركية واضحة، يُتوقع أن تتضاعف الصادرات الأردنية إلى سوريا بنهاية 2025، مع نمو متواصل في تجارة الترانزيت نحو تركيا وأوروبا، لكن نجاح هذا السيناريو يبقى مرهوناً بالاستقرار الأمني على الطرق البرية وبالتنسيق المستمر بين العواصم الثلاث.
الاجتماعات المرتقبة قد تشكل نقطة تحول، إذ تجمع بين الطموح الاقتصادي والاعتبارات الجيوسياسية، فيما تبقى جاهزية البنية التحتية وإدارة المخاطر المالية عوامل حاسمة لتحويل الزخم الحالي إلى مسار مستدام.