
تراهن الحكومة السورية على الانتقال إلى اقتصاد السوق لإعادة تنشيط الاقتصاد وجذب الاستثمارات، واضعة هدفًا طموحًا لرفع حجم الاقتصاد إلى 60 مليار دولار بحلول 2027. وسط تحديات إقليمية تضغط على الطاقة والتجارة وتختبر قدرة دمشق على تحويل الوعود الاقتصادية إلى نتائج ملموسة.
اعتقد خبراء سوريون تحدثوا لـ«إرم بزنس»، أن رهان التحول الاقتصادي في سوريا يتطلب من دمشق السرعة بالاستفادة من الدعم الدولي والخليجي وجذب استثمارات ضخمة، فيما يظل التحدي الأكبر هو تحويل هذه التوجهات إلى مشاريع وإنتاج وفرص عمل، في اقتصاد أنهكته سنوات الحرب وتحتاج إعادة إعماره إلى تمويل هائل.
وعقب رفع أسعار الوقود في أواخر سبتمبر، أعلن وزير الطاقة محمد البشير، خلال مؤتمر صحافي، أن بلاده تنتقل من النظام الاقتصادي الاشتراكي إلى الاقتصاد الحر، معتبراً أن «ما نمرّ به حالياً من خفض الدعم ورفع الأسعار هو جزء من الانتقال بين النظامين الاقتصاديين».
أهداف المسار الجديد سبق أن حولها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى أرقام، متوقعا خلال جلسة حوارية في قمة الإعلام العربي في دبي منتصف سبتمبر الماضي أن يرتفع حجم الاقتصاد من 32 مليار دولار في 2025 إلى 50 مليار دولار في 2026، وصولًا إلى 60 مليار دولار في 2027، مع طموح أكبر لبلوغ 200 مليار دولار خلال 5 إلى 10 سنوات إذا استقرت الأوضاع.
وتستهدف سوريا استثمارات تصل إلى 100 مليار دولار، بعدما نجحت في أول 7 أشهر من سقوط نظام الأسد، في اجتذاب 28 مليارا بحسب تصريحات للرئيس السوري أحمد الشرع في أكتوبر 2025.
ويرى أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق عبد القادر عزوز، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن تحويل هذه التطلعات والوعود إلى واقع ملموس يتطلب الاستفادة الفاعلة من الدعم الدولي والخليجي، وتفعيل الاستثمارات الخليجية، إلى جانب تقليص الفجوة التنفيذية بين مذكرات التفاهم والاتفاقيات وبين واقع التنفيذ العملي.
وأضاف أن المرحلة الراهنة تتطلب انفتاحاً واسعاً على الشركات الدولية، وهو ما تعمل عليه الدولة السورية حالياً في قطاعات حيوية تشمل الطاقة، والتكنولوجيا، والمصارف بهدف كسر العزلة المالية وجذب رؤوس الأموال الغربية.
ولفت إلى أن تقديرات تكلفة إعادة الإعمار في سوريا تتمحور حول 216 مليار دولار، مما يحتم تجاوز فجوة التمويل الضخمة عبر البحث عن آليات تمويل مبتكرة، مثل تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتطوير القطاعين المصرفي والمالي ليكون قادراً على استيعاب التحويلات والاستثمارات الخارجية بشكل آمن وفعال.
وحول رهان الحكومة السورية على الانتقال والتحول نحو نموذج «اقتصاد السوق»، شدد عزوز، على أن ضمان سلامة وسلاسة هذا التحول يقتضي تطبيق سلسلة من الخطوات الهيكلية والمؤسسية المتزامنة، وفي مقدمتها إجراء إصلاح تشريعي ومؤسسي شامل. وأوضح أن الهدف الأسمى يكمن في تحويل سوريا من مجرد سوق مستهلك لمواد إعادة الإعمار إلى منصة إنتاجية وتجارية جاذبة لرؤوس الأموال وقادرة على الاندماج في سلاسل التوريد الإقليمية والدولية.
وأكد أهمية التحول التدريجي من الدعم الشامل إلى الدعم الانتقائي الموجه حصراً لمستحقيه، بالتوازي مع توسيع شبكات الأمان والحماية الاجتماعية؛ لضمان حماية الفئات الأكثر هشاشة وتأثراً بتبعات التغيرات الاقتصادية في هذه المرحلة الانتقالية.
بدوره، قال الباحث السوري عبد الرحمن ربوع، في حديث لـ«إرم بزنس» إنه منذ وصول الحكومة الانتقالية الى سدة السلطة في دمشق تم إجراء تغيير في الذهنية الاقتصادية وتعميم تجربة حكومة الإنقاذ الاقتصادية التي كانت سائدة في إدلب وكانت إلى حد كبير تجربة ناجحة استطاعت تأمين موارد مستدامة بل ومتنامية على مدى تسع سنوات.
وأضاف: «لكن الوضع مختلف عند الكلام عن إدارة اقتصاد دولة بحجم سوريا وبأعباء كالأعباء الحالية المتمثلة بإعادة إعمار البلد وإعادة اللاجئين والنازحين وإعادة بناء الدولة نفسها بمؤسساتها وهيئاتها الحكومية والإدارية والخدمية».
ويعتقد أنه «مازال من المبكر الحكم على تجربة الحكومة الانتقالية في إدارة الاقتصاد وإن كانت الإرهاصات تتزامن مع أزمات معيشية».
وعن تحديات التحول، يرى ربوع أن «كل الوعود المطروحة والمقدمة من الحكومة الحالية لا يوجد ما يشير إلى تحققها في المدى المنظور حتى مع توفر الدعم الخارجي على فرض توفره خاصة وأن كل الدول الداعمة لسوريا تخطو في أولوية مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية التي نتجت عن الحرب الأميركية الإيرانية فضلا عن الأزمة الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية».
ودعا الباحث السوري عبد الرحمن ربوع الحكومة الانتقالية إلى «البحث عن بدائل محلية واستغلال الثروات الذاتية لاسيما الثروة البشرية».
وهذه التحديات كانت بارزة قبل أشهر، وتحديدا مع بيانات قدمها وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، في أبريل الماضي، تشير إلى أن إيرادات عام 2026 تسجل نحو 959 مليار ليرة سورية (حوالي 8.7 مليار دولار)، مقابل نفقات تصل إلى 1056.7 مليار ليرة (نحو 10.5 مليار دولار)، بعجز بالموازنة لعام 2026، يقارب 1.8 مليار دولار، أي ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي.