
من بضعة مستثمرين ومنصات ناشئة قبل سنوات، إلى مليارات الدراهم والريالات وعقارات يمكن تقسيم الاستثمار فيها بين مئات الأشخاص، يشهد التمويل الجماعي في الخليج تحولاً سريعاً أعاد رسم الطريقة التي يدخل بها الأفراد إلى عالم الاستثمار والتمويل.
وبإمكان المستثمر في دبي، على سبيل المثال، المشاركة في عقار بمبلغ يبدأ من 500 درهم عبر بعض المنصات، بدلاً من دفع مئات آلاف الدراهم لشراء وحدة كاملة، فيما وصلت التمويلات التراكمية التي قدمتها منصات التمويل الجماعي بالدين في السعودية إلى نحو 11 مليار ريال منذ انطلاق النشاط في 2016 وحتى 2026، وفق أحدث بيانات البنك المركزي السعودي المنشورة في يونيو 2026.
وبعد نحو عقد على ظهور الأطر الأولى للقطاع في الخليج، باتت المنطقة أمام سوق مختلفة تماماً؛ فالسعودية تستخدم التمويل الجماعي لتوفير السيولة للشركات والمشروعات، بينما أصبحت الإمارات، ودبي تحديداً، مختبراً لنماذج الاستثمار العقاري الجزئي، قبل الانتقال في 2026 إلى مرحلة أكثر تطوراً مع بدء إعادة بيع الحصص العقارية المرمزة في سوق ثانوية.
ولا توجد سلسلة إحصائية موحدة تقيس القيمة الإجمالية لسوق التمويل الجماعي في دول مجلس التعاون منذ بداياته، لكن المؤشرات المتاحة تظهر أن بعض جوانب النشاط تضاعفت عشرات بل مئات المرات خلال سنوات قليلة، في وقت يواصل فيه القطاع التوسع في 2026.
تقدم السعودية أحد أبرز الأمثلة على حجم الطفرة التي شهدها التمويل الجماعي في الخليج. فبحسب بيانات البنك المركزي السعودي المنشورة في يونيو 2026، قدمت منصات التمويل الجماعي بالدين تمويلات تراكمية بقيمة 11 مليار ريال، أي نحو 2.93 مليار دولار، منذ بدء النشاط في المملكة في 2016.
ويعتمد التمويل الجماعي بالدين على جمع الأموال من عدد من المشاركين عبر منصة إلكترونية لتوفير التمويل للشركات والمشروعات، بدلاً من الاعتماد حصراً على القروض المصرفية التقليدية.
ويكشف استمرار دخول شركات جديدة إلى القطاع في 2026 أن مرحلة النمو لم تنته بعد. ففي يوليو، منح البنك المركزي السعودي شركة «منصة همة للتمويل» ترخيصاً لممارسة نشاط التمويل الجماعي بالدين، مؤكداً أن التوسع يأتي ضمن توجهه لدعم قطاع التمويل وتشجيع الابتكار في الخدمات المالية وتعزيز الشمول المالي.
كما يصل الحد الأقصى للتمويل القائم المقدم إلى المنشأة متناهية الصغر أو الصغيرة أو المتوسطة الواحدة إلى 7.5 مليون ريال، مع استثناءات للمنشآت الكبيرة وشركات التطوير العقاري المرخصة أو بعد الحصول على عدم ممانعة من البنك المركزي.
إذا كانت السعودية تقدم نموذجاً بارزاً للتمويل الجماعي بالدين، فإن الإمارات أصبحت من أهم أسواق المنطقة في نموذج آخر يجذب المستثمر الفرد بصورة مباشرة: الاستثمار العقاري الجزئي.
والفكرة بسيطة. فبدلاً من أن يدفع مستثمر مليون درهم مثلاً لشراء شقة كاملة، يمكن تقسيم الاستثمار في العقار بين عدد كبير من الأشخاص، بحيث يدفع كل منهم مبلغاً أصغر ويحصل على حصة اقتصادية تتناسب مع استثماره. وهنا تظهر فكرة «اشترِ متراً واحداً من عقار».
فالمستثمر لا يشتري، من الناحية القانونية، متراً مربعاً محدداً داخل غرفة أو شقة، وإنما يحصل على حصة في العقار أو الكيان الذي يمتلكه وفق الهيكل القانوني المستخدم. لكن من الناحية الاقتصادية، قد يعادل المبلغ المستثمر ثمن متر واحد من الوحدة، أو أقل.
وتظهر أحدث بيانات منصة «ستيك»، المنشورة في أغسطس 2026، مدى اتساع هذا النموذج في دبي.
فمنذ انطلاقها في 2021 وحتى أغسطس 2026، موّلت المنصة 653 عقاراً في 43 منطقة في دبي، ونفذت 42 عملية تخارج كاملة، فيما بلغ إجمالي العقارات الممولة عبر عملياتها في الإمارات والسعودية 1.5 مليار درهم.
كما دفعت أكثر من 225 مليون درهم للمستثمرين منذ 2021، وفق بيانات الشركة، التي تتيح بدء الاستثمار العقاري من 500 درهم. وتعني هذه الأرقام أن مستثمراً يمتلك بضعة آلاف من الدراهم أصبح قادراً على المشاركة في سوق عقارات دبي دون الحاجة إلى الحصول على قرض عقاري أو توفير دفعة أولى كبيرة لشراء شقة كاملة.
وتتجه دبي في 2026 إلى مرحلة أبعد من الاستثمار العقاري الجزئي التقليدي، مع تطوير ترميز العقارات. وتقوم الفكرة على تحويل الحقوق المرتبطة بالعقار إلى حصص أو رموز رقمية، بما يسمح بتجزئة الاستثمار في الأصل وتوسيع قاعدة المستثمرين القادرين على المشاركة فيه.
وتقول دائرة الأراضي والأملاك في دبي إن مشروع الترميز العقاري يجعلها أول جهة تسجيل عقاري في الشرق الأوسط تتبنى نموذج الترميز القائم على تقنية «بلوك تشين»، مع إتاحة الملكية الجزئية وفق ميزانية واستراتيجية كل مستثمر.
وفي فبراير 2026، أطلقت الدائرة المرحلة الثانية من مشروع الترميز العقاري، وانتقلت التجربة من مجرد شراء الحصص إلى اختبار إعادة بيعها في السوق الثانوية اعتباراً من 20 فبراير.
وشملت المرحلة الجديدة إتاحة إعادة بيع نحو 7.8 مليون رمز عقاري ضمن إطار تجريبي منظم، بهدف اختبار كفاءة السوق والأنظمة التشغيلية وتعزيز الشفافية وحماية حقوق المستثمرين.
ويمثل وجود سوق ثانوية تطوراً مهماً، لأن أحد أبرز التحديات التي تواجه الاستثمار الجزئي هو السيولة؛ أي قدرة المستثمر على تحويل حصته إلى أموال عندما يريد الخروج من الاستثمار.
هناك مجموعة من العوامل التي ساعدت على توسع السوق، في مقدمتها الانتشار الواسع للخدمات المالية الرقمية، وارتفاع استخدام تطبيقات الاستثمار، وسعي الحكومات الخليجية إلى تنويع مصادر التمويل المتاحة للشركات والمشروعات.
كما أن أسواق العقارات الضخمة في دبي والسعودية توفر بيئة مناسبة لتطوير نماذج الاستثمار الجزئي، خصوصاً مع ارتفاع المبالغ المطلوبة لشراء العقارات بصورة مباشرة.
وبالنسبة إلى الشركات، يوفر التمويل الجماعي قناة للحصول على السيولة من مجموعة من المستثمرين بدلاً من مصدر واحد، بينما يوفر للمستثمر الفرد إمكانية الوصول إلى أنواع من الأصول كان دخولها يحتاج سابقاً إلى رأس مال أكبر.
وتختصر كلمة «التجزئة» جزءاً كبيراً من التحول. فبدلاً من مستثمر واحد يشتري عقاراً بمليون درهم، يمكن لمجموعة كبيرة من المستثمرين المشاركة في الأصل نفسه، وبدلاً من جهة واحدة تقدم ملايين الريالات لشركة، يمكن جمع التمويل من عدد كبير من المشاركين.
لكن سهولة الاستثمار لا تجعل التمويل الجماعي بديلاً عن الوديعة المصرفية، ولا تجعل الأرباح مضمونة. ففي التمويل الجماعي بالدين، يظل احتمال تعثر الجهة المقترضة قائماً، بينما تتأثر الاستثمارات العقارية بأسعار العقارات والإيجارات ونسب الإشغال ورسوم الإدارة والصيانة.
كما تضع الجهات التنظيمية قيوداً للحد من المخاطر. ففي السعودية، تنص القواعد النافذة على ألا تتجاوز مساهمة المشارك 25% من قيمة التمويل المطلوب لمستفيد واحد، وألا يتجاوز إجمالي التمويل القائم للمشارك 250 ألف ريال عبر خيارات التمويل المتاحة، مع وجود استثناءات تنظيمية لفئات محددة.
وفي الاستثمار العقاري، لا تعني الملكية الجزئية بالضرورة أن المستثمر يستطيع بيع حصته فوراً، وهو ما يجعل شروط التخارج والسيولة والرسوم من العوامل التي يجب دراستها إلى جانب العائد المتوقع.
ومع ذلك، ترسم بيانات 2026 صورة مختلفة جذرياً عما كانت عليه السوق قبل عقد: التمويل الجماعي تحول من فكرة ناشئة إلى قناة توفر مليارات الريالات للشركات والمشروعات، بينما أصبح الاستثمار العقاري قابلاً للتجزئة إلى حصص صغيرة، وبدأت دبي بالفعل اختبار تداول الحصص العقارية المرمزة في سوق ثانوية.