
مع استمرار تداعيات أزمة الطاقة العالمية واضطرابات مضيق هرمز، تلجأ دمشق إلى دعم أسعار الوقود لاحتواء موجة ارتفاعات جديدة، إلا أن استمرار هذا الدعم يضع المالية السورية أمام اختبار صعب لتمويل فجوة الطاقة.
ويحمل ذلك المسار تحديات كبيرة، بحسب خبراء اقتصاد وطاقة تحدثوا لـ«إرم بزنس»، في ظل حالة الضبابية التي تمر بها المنطقة وعدم وجود أفق لنهاية الحرب، وهو ما سيجبر الحكومة على رفع الأسعار لسد تلك الفجوة، داعين لأفكار مرتبطة بترشيد الدعم بطريقة لا تمس الفئات الأكثر احتياجاً.
وفي 21 سبتمبر الجاري، أقر وزير الطاقة السوري محمد البشير بوجود فجوة في الطاقة، في جلسة استماع بمجلس الشعب السوري، بعد أيام من أزمة طاقة بالبلاد واحتجاجات، وأكد أن الحكومة اختارت الانتقال من النظام الاشتراكي إلى اقتصاد السوق الحر، معتبراً أن «ما نمرّ به حالياً من خفض الدعم ورفع الأسعار هو جزء من الانتقال بين النظامين الاقتصاديين».
وبحسب البشير، تحتاج سوريا إلى 831 مليون دولار شهرياً لشراء المشتقات النفطية والنفط الخام، موضحاً أن احتياجات البلاد اليومية تبلغ 12 مليون لتر من المازوت و8 ملايين لتر من البنزين، بينما تبلغ احتياجات سوريا من الغاز، 24 مليون متر مكعب، في حين يصل الإنتاج المحلي إلى نحو 8.5 مليون متر مكعب، وتشتري البلاد 6.3 مليون متر مكعب، فيما تبلغ حاجة البلاد من النفط يومياً نحو 300 ألف والمتاح بعد التكرير المحلي نحو 150 ألف برميل، ما يضطر الحكومة إلى الاستيراد لتغطية احتياجات السوق لسد الفجوة.
وكان البشير، أعلن في 17 سبتمبر الجاري، توفير وقود الديزل المعروف محلياً باسم «المازوت» بأسعار أقل لأغراض التدفئة والزراعة والصناعة، وذلك بعد أيام من رفع أسعار الوقود قوبلت باحتجاجات في أنحاء البلاد.
وأوضح وزير الطاقة السوري أن الديزل سيباع بثلاثة أسعار هي 115 و150 و175 ليرة سورية للتر، وفقاً لمواصفاته والغرض من استخدامه، فيما تبلغ تكلفته 206 ليرات للتر وذلك عقب اجتماع مع الرئيس السوري أحمد الشرع لبحث أزمة الوقود.
وقبل أيام، كانت الحكومة رفعت سعر الديزل العادي بنسبة 40% إلى 175 ليرة للتر، مقابل 125 ليرة سابقاً، بالتزامن مع زيادات تراوحت بين 26% و28% للبنزين، ونحو 9% للغاز المخصص للمنشآت السكنية والصناعية.
ومنذ فبراير، وقبل أن تؤدي تداعيات حرب إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة العالمية، زادت أسعار الديزل في سوريا بأكثر من الضعف، بينما ارتفع سعر البنزين 95 أوكتان بنحو 86%. وخلال الفترة ذاتها تقريباً، ارتفع سعر خام برنت بنحو 44%.
من جانبه، أوضح الأكاديمي الاقتصادي، والخبير السوري في شؤون الطاقة، زياد أيوب عربش، لـ«إرم بزنس»، أن القرار الجديد مسار حكيم وجريء في إدارة الندرة والفجوة الحالية خاصة وأن الاحتقانات كانت ستؤدي لاضطرابات كل السوريين في غنى عنها، لكنه يفتح أفقاً لاستدامة حقيقية إذا اكتملت تفاصيله بخطة طاقوية متكاملة مع شفافية في آلية التوزيع وتحديد المستفيدين.
وأضاف أن نظام الجديد للدعم يعدّ اعترافاً واقعياً بحدود ضبط الأسعار أو تقديم دعم في اقتصاد يعاني فجوة بنيوية بين الإنتاج والاستهلاك خاصة وأن السعر الموحد في ظلّ ندرة حادة يؤدي حتماً إلى سوق سوداء وتشوهات توزيع، موضحاً أن التسعير التفاضلي الجديد يعد أداة لإدارة ندرة بنيوية، وليس تقنيناً وقتياً لكن نجاحه مشروط بآلية توزيع شفافة لم تكتمل تفاصيلها بعد.
وبحسب عربش، فإن الخطر ليس في دعم سعر الوقود وحده، بل في انتقال الكلفة عبر سلاسل الإمداد من محطة الوقود إلى شاحنة البضائع، ثم الأسواق، ثم مائدة العائلة، موضحاً أنه عملياً، سترتفع أجور المواصلات 20-35%، وشاحنات البضائع ستحمّل الكلفة على أسعار الجملة، والمولدات الخاصة سترفع كلفة الاشتراك والخبز الحرّ، فمن المتوقع ارتفاعه 15-25%، وفي الريف، أصبحت المعادلة الزراعية أشبه بمقامرة خاسرة سلفاً.
وطالب الاقتصادي السوري، زياد عربش، بأن يكون الإعلان المسبق عن قوائم المستحقين والمحطات والكميات، وربط الدعم بالاستخدام الفعلي مع نظام تحقق.
وفي ظل أزمة تمويل فجوة الطاقة، يشير عربش إلى أنه بعيداً عن التقنين والمحاصصة، فإن البدائل التي ننادي بها منذ سنوات تتمحور حول خفض متوسط كلفة الطاقة، عبر إصلاح هيكلي للكهرباء بمعالجة الفاقد والسرقات وتحصيل الفواتير، مع جذب استثمارات في الغاز والطاقة الشمسية والرياح، مع نظام تسعير واضح وقابل للتنبؤ.
يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق عبد القادر عزوز، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن قطاع الطاقة في سوريا يواجه أزمة حقيقية وفجوة واسعة ناجمة عن عدة عوامل مركبة؛ في مقدمتها اتساع الفارق بين الإنتاج والاستهلاك المحلي، والارتفاع المستمر للأسعار العالمية إذ بلغ سعر طن الديزل 1590 دولاراً بالتوازي مع التوترات الجيوسياسية وأزمات التمويل والضغوط المالية، مؤكداً أن إجراءات الحكومة احترازية وهيكلة لسياسات الدعم لتفادي أزمات التوريد واختناقات المحطات.
وفي ظل تحديات تمويل فجوة الطاقة، يطرح عزوز أن يتم التحول من نظام الدعم الشامل إلى الدعم الذكي والانتقائي الموجه خصيصاً للفئات الأكثر تضرراً والهشة اجتماعياً، مع إمكانية اعتماد الدعم النقدي المباشر، شرط أن تقترن أي خطوة لعقلنة الدعم بتطوير شبكة حماية اجتماعية متكاملة تضمن وصول الدعم لمستحقيه وتخفف من التداعيات الاقتصادية على المواطنين.
وبحسب عزوز، فإن هناك بدائل عملية لتخفيف حدة الأزمة، أبرزها التوسع في مشاريع الطاقة البديلة والنظيفة ولا سيما الطاقة الشمسية كخيار استراتيجي للحد من الاعتماد المتزايد والمستمر على المشتقات النفطية وسط العجز في الطاقة.
وهناك دراسة تدرسها الحكومة لمزيج الطاقة في سوريا بحسب حديث البشير في 21 سبتمبر الجاري، تشمل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والوقود الأحفوري، خلصت إلى إمكانية إنتاج نحو 2500 ميغاواط من الطاقة الشمسية و1500 ميغاواط من طاقة الرياح، إلى جانب إمكانية الوصول إلى نحو 8 آلاف ميغاواط من الطاقة المنتجة باستخدام الوقود الأحفوري بحلول 2030.