
بعد أكثر من عقد على الحرب والعقوبات والعزلة الدولية، عادت سوريا إلى مشهد الطاقة العالمي بخطوة أولى، وإن كانت متواضعة، إلا أنها تحمل دلالات كثيرة: شحنة من 600 ألف برميل من النفط الخام انطلقت من ميناء طرطوس، بموجب صفقة رسمية مع شركة «بي سيرف إنرجي» (B Serve Energy) المرتبطة بمجموعة «بي بي إنرجي» (BB Energy) لتجارة النفط، تشقّ طريقها إلى الأسواق العالمية.
الشحنة التي أعلنت عنها الشركة السورية لنقل النفط في الأول من سبتمبر، والتي تعتبر الأولى من نوعها منذ 14 عاماً، ليست مجرد خطوة تجارية أو إشارة رمزية لعودة تدريجية إلى الأسواق الدولية، بل هي بمثابة لحظة فارقة تشير إلى تغيّر سياسي واقتصادي وجيوسياسي على نطاق واسع، كما إنها ترمز إلى تحوّل جذري في المسار العام لبلد مزقته الحرب.
تحوّل بدأ مع سقوط نظام الأسد في ديسمبر الماضي، ومن ثم تشكيل حكومة انتقالية تحظى بدعم دولي، ليأتي بعد ذلك قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يونيو الماضي برفع العقوبات الأميركية، لا سيما تلك المفروضة بموجب «قانون قيصر» الذي شلّ قطاع الطاقة السوري لسنوات. وقد تزامن هذا التغير السياسي والدبلوماسي السريع، مع شحّ عالمي في إمدادات الطاقة، وعودة اهتمام الشركات العالمية بالأسواق الثانوية -أو الهامشية- ذات المخاطر العالية والعوائد المحتملة، وهو ما مهّد الطريق في النهاية أمام عودة تدريجية لسوريا إلى الاقتصاد العالمي.
غير أن تصدير هذه الشحنة لا يرمز فقط إلى وجود نفط في الصهاريج، بل إلى نوايا سوريا في استعادة موقعها كمصدّر للطاقة، بعدما كانت لسنوات منقطعة عن النظام التجاري الدولي، ومكبّلة بالعقوبات، وعاجزة عن تصدير أي من إنتاجها من الخام. أما اليوم، ومع أول شحنة تعبر المتوسط، فيمكن القول إن هناك صفحةً جديدة تُفتح.
إنها بداية محتملة لانتعاش اقتصادي طويل الأمد، خصوصاً أن الحكومة الانتقالية تحتاج بشدة إلى الإيرادات لتمويل إعادة الإعمار، وتحقيق الاستقرار النقدي، ودعم العملة المحلية التي عانت من التضخم والانهيار المتكرر. وما النفط هنا سوى الورقة الأسرع عائداً، على الرغم من أن الطاقة الإنتاجية غير مضمونة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى حجم ما يتم أو ما يُمكن تصديره.
الجدير بالذكر هنا أن رفع العقوبات الأميركية، وإن كان مؤقتاً في مرحلته الأولى (يُجدّد كل 180 يوماً)، أعاد فتح الأبواب أمام المستثمرين الأجانب، لا سيما في قطاع الطاقة. فالشركات، التي كانت في السابق مُقيدة قانونياً وأخلاقياً من الدخول إلى السوق السورية، باتت الآن تدرس فرصاً في التنقيب والإنتاج وخدمات البنية التحتية، من منظور مختلف.
لكن، ورغم أهمية ذلك، فإن المستثمرين الأجانب، ومن بينهم شركات النفط العالمية، لن يعودوا إلى سوريا بالسرعة المرجوّة ما لم يتوافر المناخ القانوني والتنظيمي المستقر، والضمانات ضد المصادرة، والآليات الواضحة لتوزيع العوائد النفطية بين الإدارات الحكومية والمحلية. والأهم من ذلك أيضاً، أنه يجب معالجة التحديات الداخلية القائمة التي تواجه قطاع الطاقة في سوريا، والتي لا تزال عميقة ومعقدة، وتفوق في خطورتها الأطر القانونية والتنظيمية. فالبنية التحتية النفطية تعرّضت خلال سنوات الحرب لأضرار جسيمة، شملت تدمير الحقول والمصافي وخطوط الأنابيب، إلى جانب فقدان السيطرة على عدد من المنشآت لصالح فصائل مسلّحة أو قوات أجنبية. ولا ننسى كذلك عمليات التهريب، وضعف الرقابة، وتداخل المصالح بين مجموعات محلية وشبكات إقليمية، فضلاً عن الفساد المتجذّر في مؤسسات الدولة.
كل ذلك يمثل تحديات أساسية أمام أي محاولة لإعادة هيكلة قطاع الطاقة أو جذب الاستثمارات. ومن دون معالجة هذه التحديات البنيوية، فإن قدرة سوريا على استعادة مكانتها كمصدّر موثوق للطاقة، ستبقى محدودة، حتى مع وجود الإرادة السياسية والدعم الدولي.