وخالف مايلي التوقعات وفاز بنسبة 56% من الأصوات في جولة الإعادة الرئاسية، مقابل 44% لسيرجيو ماسا، أحد أنصار الحركة البيرونية، التي حكمت الأرجنتين لمدة 28 عاماً من الأعوام الأربعين الماضية. وقد فاز ائتلاف مايلي "ليبرتي أدفانسز" (Liberty Advances) في 20 مقاطعة من مقاطعات الأرجنتين الثلاث والعشرين، بالإضافة إلى بوينس آيرس.
وفي خطاب الفوز، وعد مايلي بإجراء "تغييرات جذرية" لإنهاء انحدار الأرجنتين الذي دام قرناً من الزمان وإعادة البلاد إلى كونها "قوة عالمية" في غضون 35 عاماً.
مع ذلك، وعلى الرغم مما يبدو للوهلة الأولى وكأنه تفويض واضح، فإن مايلي المندفع لن يجد الحكم سهلاً، لأنه أنشأ ائتلافه الحاكم قبل عامين فقط، ولا يحظى بدعم أي من حكام الأرجنتين الأقوياء، كما أنه لم يحصل إلا على 38 مقعداً من أصل 257 معقدا في مجلس النواب، وسبعة من 72 مقعداً في مجلس الشيوخ، وفق ما أوردته صحيفة الجارديان.
يشير الفوز الأكبر من المتوقع الذي حققه خافيير مايلي إلى أن الناخبين في ثاني أكبر دول أميركا الجنوبية اختاروا عن طيب خاطر العلاج بالصدمة لتسوية الضائقة الاقتصادية العميقة التي تعاني منها البلاد.
وطرح ميلي في برنامجه الانتخابي نظرية "علاج الصدمة" لمواجهة المشكلات الاقتصادية وإعادة التوازن إلى حسابات الدولة. ويهدف برنامج الرئيس المنتخب لتقليص الإنفاق العام بنحو 15%، والمضيّ في عمليات الخصخصة لتحقيق توازن الميزانية الذي ينشده صندوق النقد الدولي.
كما يقوم برنامج الرئيس المنتخب على إنهاء العمل بالدعم في مجالات النقل والطاقة، وتحرير الأسعار، وإلغاء الضرائب على الصادرات. وبالإضافة إلى إصلاح العملة، تشمل هذه الإصلاحات تخفيضات كبيرة في مدفوعات الرعاية الاجتماعية وإغلاق أكثر من 12 وزارة.
وشدّد ميلي على أنّ البرنامج الذي وضعه لخصخصة الكثير من مؤسسات القطاع العام سيكون واسع النطاق و"كلّ ما يمكن أن يكون في أيدي القطاع الخاص سيصبح كذلك".
ويرى أستاذ الاقتصاد الدولي بالجامعة الأميركية في القاهرة، الدكتور عمرو عدلي، أن هناك العديد من التحديات الاقتصادية الكبيرة التي تنتظر الرئيس الأرجنتيني الجديد، مشيراً إلى أنه ربما تمتلك الأرجنتين أفضل فريق كرة قدم في العالم، لكن أداء اقتصادها كان كارثياً في السنوات الأخيرة.
وقال عدلي، في تصريحات لـ"إرم الاقتصادية"، إنه في خضم الأزمة الاقتصادية الوحشية التي تشهدها الأرجنتين، فإن "مايلي" مطالب بالعمل على خفض معدلات التضخم التي سجلت 143% مع توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 200% بحلول نهاية هذا العام، لافتاً إلى أن ثالث أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية أصبح في "العناية المركزة".
وأضاف أن الجفاف المستمر منذ ثلاث سنوات أدى إلى انخفاض حاد في الإنتاج الزراعي، فضلا عن تفشي الركود الاقتصادي منذ سنوات، كما يعيش اثنان من كل خمسة أشخاص تحت خط الفقر، فيما فقدت العملة المحلية "البيزو" 90% من قيمتها خلال أربع سنوات.
وحسب عدلي، فإن حالة عدم اليقين بشأن الأسعار تفشت خلال موسم الانتخابات، وقام العديد من الأرجنتينيين بتخزين البضائع والاصطفاف في محطات الوقود خوفا من الزيادات المحتملة في الأسعار بعد الانتخابات، فيما أفادت وسائل الإعلام المحلية بأن تجار الجملة رفعوا الأسعار بصورة حادة.
وتقول صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، إن مايلي يخطط لإلغاء البيزو واستخدام للدولار الأميركي بدلاً من ذلك، وهي تجربة تمت بصفة أكثر اعتدالاً من هذه السياسة في أوائل التسعينيات، عندما قامت الحكومة، بعد حلقة سابقة من الركود والتضخم المفرط، بتثبيت سعر الصرف عند بيزو واحد في مقابل الدولار.
لكن تم التخلي عن هذه الاستراتيجية، المعروفة باسم قابلية التحويل في عام 2002 بعد أن أدى الركود العميق والاحتجاجات العنيفة في الشوارع ضد القيود المفروضة على عمليات السحب المصرفي إلى جعلها غير قابلة للاستمرار.
وأوضح الدكتور عمرو عدلي أن هناك تباينا واضحا في معدلات التضخم داخل البلاد، حيث تختلف أسعار السلع بقدر كبير من متجر إلى آخر، ويعد البحث المضني عن الضروريات اليومية بأقل الأسعار بمثابة استنزاف للوقت والطاقة بالنسبة للمواطنين العاديين.
ويشير أستاذ الاقتصاد الدولي، إلى أن الرئيس الأرجنتيني المنتخب يريد الذهاب إلى أبعد من ذلك، حيث تشمل مقترحاته إلغاء البنك المركزي وتحويل الاقتصاد إلى "دولرة" بالكامل، وهذا يعني أن السياسة النقدية للأرجنتين سيتم تحديدها في واشنطن بدلاً من بوينس آيرس.
وقد سلكت دول أخرى، مثل بنما والإكوادور، هذا الطريق، لكن لم تسلكه قط دولة بحجم الأرجنتين، وهي عضو في مجموعة العشرين التي تضم الدول المتقدمة والنامية الرائدة، على حد قول الدكتور عمرو عدلي.
وهناك بعض المشاكل الواضحة في مقترحات مايلي الاقتصادية، بحسب عدلي، ومنها أن الأرجنتين والولايات المتحدة اقتصادان مختلفان تماما، وبالتالي فإن السياسة النقدية الصحيحة بالنسبة للأرجنتين قد تكون خاطئة بالنسبة لأميركا، ويتعين على السلطات في أي دولة أن تكون حذرة بشأن التخلي عن حرية تحديد أسعار الفائدة الخاصة بها، والتحكم بقيمة العملة الوطنية.
أما المشكلة الثانية فهي كيفية حصول الأرجنتين على الدولارات لإدارة عجلة الاقتصاد، ففي الوقت الحاضر، لا يمتلك البنك المركزي أي احتياطيات بالدولار الأميركي تقريبًا، ويفتقر إلى القدرة على الوصول إلى أسواق رأس المال العالمية للحصول على التمويل المطلوب للحفاظ على استمرار الاقتصاد.
من الناحية النظرية، يستطيع مايلي التقدم بطلب للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، لكن فرص النجاح لن تكون عالية، حيث تعد الأرجنتين بالفعل أكبر مقترض من الصندوق وتدين له بنحو 44 مليار دولار، حصلت عليه البلاد منذ عام 2018.
كما أن صندوق النقد الدولي تساوره شكوك حول ما إذا كانت الدولرة ممكنة على المدى القصير، حيث يحتاج البيزو لتخفيض كبير في قيمته قبل الدولرة، كما أن ضعف العملة من شأنه أن يدفع الأسعار والتضخم لمزيد من الارتفاع.
أما المشكلة الثالثة، فهي أنه حتى لو أمكن التوصل إلى حل للمشاكل الفنية المرتبطة بالتخلي عن البيزو، فإن العلاج بالصدمة الذي يروج له مايلي قد ينفجر في وجهه بسرعة نسبيًا؛ لأن الدولرة هي طريق ذو اتجاه واحد، فهي مقامرة سياسية بلا عودة، وقد تؤدي إلى حبس الأرجنتين في مسار غير مستدام وانهيار اقتصادي.
لم يشر خطاب الفوز الذي ألقاه مايلي إلى الدولرة أو إلغاء البنك المركزي، مما أدى إلى تكهنات بأنه قد يتراجع عن خططه المتطرفة. ويقول الدكتور نبيل زكي أستاذ الاقتصاد الدولي بمعهد نيويورك للعلوم المالية، إن العديد من إصلاحات مايلي المقترحة لن تحظى بشعبية، خاصة بين المواطنين ذوي الدخل المنخفض، ومن المرجح أن تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية، حيث تتمتع البلاد بنقابات عمالية وحركات اجتماعية قوية.
وأضاف زكي في تصريحات لـ "إرم الاقتصادية"، أنه نتيجة لذلك، من المرجح أن تكون سياسات مايلي شديدة الاستقطاب والانقسام في الأشهر المقبلة، وهو ما قد يؤدي إلى فترة شهر عسل قصيرة للرئيس المنتخب.
وأكد أن اقتصاد الأرجنتين في حالة يرثى لها؛ حيث تسبب الجفاف الأخير في تدمير قطاع التصدير الزراعي الذي يشكل أهمية كبيرة للبلاد، كما أن الاقتصاد مقيد بديون ضخمة لصندوق النقد الدولي، ويبدو أنها لن تتضاءل أبداً.
وأوضح أستاذ الاقتصاد الدولي أن برنامج مايلي الاقتصادي يرتكز على ثلاثة أسس، هي: تقليص حجم الحكومة بقدر كبير، واحترام الملكية الخاصة، وتشجيع التجارة الحرة، لكن تطبيق سياسات مايلي المالية والنقدية لن يكون سهلا في ظل تدهور الوضع الاقتصادي، واستنفاد احتياطيات النقد الأجنبي، وارتفاع التضخم.