
شهدت أسعار النفط تحركات متباينة خلال الفترة الأخيرة، وسط تفاعلات متسارعة للأحداث الجيوسياسية المرتبطة بحرب إيران والتوترات الإقليمية، ورغم بعض مؤشرات التهدئة، لا تزال الأسواق تواجه حالة من عدم اليقين بشأن اتجاهات الأسعار خلال المرحلة المقبلة واستقرار الإمدادات العالمية.
ووفق خبراء، في حديث لـ«إرم بزنس»، فإن عودة النفط إلى مستويات ما قبل الحرب قد لا تكون قريبة، في ظل استمرار الضغوط على سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، إلى جانب ترقب الأسواق لأي تطورات سياسية قد تؤثر على توازن العرض والطلب عالمياً.
وقفزت أسعار النفط، الاثنين، لتتجاوز 100 دولار للبرميل في الوقت الذي تستعد فيه البحرية الأميركية لفرض السيطرة على حركة السفن في «مضيق هرمز»، وهي خطوة قد تحد من صادرات النفط الإيرانية، بعد أن فشلت واشنطن وطهران في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب.
وإجمالاً، قفز برميل خام برنت 41.16% منذ اندلاع الحرب، إلى 102.31 دولار، كما زاد برميل خام غرب تكساس الأميركي 55.3% إلى 104.08 دولار.
ونقلت «رويترز» عن سول كافونيك، رئيس قسم أبحاث الطاقة في «إم.إس.تي ماركي»، أن «السوق الآن عاد إلى حد كبير إلى الظروف التي كانت سائدة قبل وقف إطلاق النار، باستثناء أن الولايات المتحدة ستمنع الآن التدفقات الإيرانية المتبقية التي تصل إلى مليوني برميل يومياً عبر مضيق هرمز أيضاً».
ويرى الخبير النفطي العراقي، مدير البحوث الاقتصادية في المركز العالمي للدراسات التنموية في المملكة المتحدة، صادق الركابي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن الأسواق الآن أضافت عامل المخاطر الجيوسياسية إلى العلاوة السعرية وأصبح ذلك مؤثراً في ارتفاع أسعار النفط وعدم عودتها لما كانت عليه في ظل وجود التوترات.
وأوضح أنه «حتى لو تمت عملية التفاوض فإن الأسواق تضع المخاطر الجيوسياسية في عين الاعتبار، وأيضاً شركات التأمين تضيف كلفة إضافية، وبالتالي باتت الأسواق الآن أكثر حسياسية مما كانت عليه؛ ولذلك فالأسعار لن تقل عن 80 دولاراً للبرميل حتى يستتب الأمن بشكل كبير ويكون هناك استقرار، ولكن في ظل الحديث عن إغلاق هرمز وفشل المحادثات وتعطل منشآت نفطية ستظل الأسعار مرتفعة».
وهناك عامل آخر مهم وهو أن الاستثمارات النفطية قد تأخذ وقتاً أكبر حتى تدخل مرة أخرى للأسواق، وهذا يضيف عامل قلق للمنتجين، وأيضاً يضيف على العلاوة السعرية مبالغ إضافية»، وفق الركابي.
ويشير إلى أن ما يحرك الأسعار الآن هو العامل الجيوسياسي وأيضاً تعطل سلاسل الإمداد، وباتت هناك دول تبحث عن بدائل سواء من حيث الاستثمارات في الطاقة البديلة والمتجددة أو الاستثمار في مناجم الفحم، أو الاستعاضة عن «مضيق هرمز» بطرق بديلة يتم دراستها، وكلها عوامل تضغط على أسعار النفط.
وعن السيناريوهات المحتملة لأسعار النفط، قال الركابي إنه حال استمرت الأزمة أو تصاعدت قد تصل الأسعار إلى 120 دولاراً أو أكثر للبرميل إلا أنه قد يؤخر الوصول لهذا الرقم لعدة أسابيع وجود مخزونات لدى الدول المستهلكة مثل الصين، وكذلك الدول المنتجة كالولايات المتحدة ودول الخليج لديها احتياطيات كبيرة، أما إذا امتدت الأزمة لفترات أطول مع تناقص الاحتياطيات لهذه الدول ستتجه الأسعار لنحو 170 دولاراً للبرميل، وهذه كارثة كبيرة للاقتصاد العالمي.
أما في حال حدوث انفراجة وخفوت التصعيد قد تتجه الأسعار إلى 80-90 دولاراً للبرميل وهي أرقام أعلى مما كانت عليه قبل الحرب، وذلك نتيجة استمرار المخاوف وتأخر عمل بعض الحقول وتعطل سلاسل الإمداد، مستبعدا تراجع الأسعار إلى ما دون 70 دولاراً للبرميل في ظل كل المعطيات الحالية.
ويشير نهاد إسماعيل، الخبير في الاقتصاد الدولي واقتصاديات الطاقة، في حديث لـ«إرم بزنس»، إلى أنه لكي تعود الأسعار لمستويات ما قبل الحرب يجب أن يكون هناك اتفاق بشأن عودة حرية الملاحة في «مضيق هرمز» واتفاق جيوسياسي بوقف نهائي للحرب، لافتاً إلى أن النفط سلعة استراتيجية تتاثر بالتقلبات والمتغيرات الجيوسياسية؛ لذلك من المهم لعودة الإنتاج أن يكون هناك استقرار جيوسياسي.
وأوضح أن الطلب العالمي موجود خاصة من الصين لكن المشكلة هو وصول النفط للأسواق، مشيراً إلى أن المخاوف العالمية في هذه المرحلة تتركز على أمن الأمدادات ووصولها للأسواق.
ورجح إسماعيل 3 سيناريوهات مرتقبة: أولها استمرار إغلاق المضيق والتصعيد العسكري وصعود الأسعار إلى 150 دولاراً للبرميل، أما الثاني فهو اتفاق وقف إطلاق نار هش ومفاوضات لا تنتهي وتبقي الأسعار فوق 100 دولار للبرميل، أما السيناريو المفضل فهو اتفاق يؤدي إلى فتح المضيق كلياً وإنهاء حالة الحرب ومن ثم ستهبط الأسعار إلى أقل من 90 دولاراً وترتفع الإمدادات النفطية لتلبية الطلب العالمي.
والأسبوع الماضي، أقرت الدول الثماني الأعضاء في تحالف «أوبك+»، التي تضم السعودية، وروسيا، والعراق، والإمارات، والكويت، وكازاخستان، والجزائر، وعُمان، تنفيذ تعديل في مستويات الإنتاج، بزيادة قدرها 206 آلاف برميل يومياً من إجمالي كميات التعديلات الإضافية الطوعية البالغة 1.65 مليون برميل يومياً، التي أُعلن عنها في أبريل 2023، ومن المقرر تطبيق هذا التعديل في مايو المقبل.
وأشارت إلى أن هذا الإجراء يأتي في إطار التزامها بدعم استقرار السوق البترولي، لافتة إلى أن كميات الخفض البالغة 1.65 مليون برميل يومياً قد تتم إعادتها بشكل جزئي أو كامل، تدريجياً، حسب متغيرات السوق، وستواصل الدول المشاركة متابعة وتقييم ظروف السوق بشكل دقيق.