
بقرار متوقع، أعلن تحالف «أوبك+»، زيادة في حصص الإنتاج، لشهر يوليو المقبل، في ظل أزمة طاقة تواصل ضرب العالم، جراء استمرار اضطراب سلاسل الإمداد مع دخول تعطل مضيق هرمز الاستراتيجي شهره الرابع.
تلك الزيادة التي تصل إلى 188 ألف برميل يومياً أجمع عليها خبراء طاقة دوليين، في أحاديث لـ«إرم بزنس» أنها «ذات تأثير محدود وشكلية خاصة والمخاطر الجيوسياسية التي يعاني منها الاقتصاد العالمي تعد أكبر بكثير من مجرد الأرقام الورقية الصادرة عن أوبك»، مختلفين بشأن مستقبل الأزمة الذي يواجه التحالف النفطي الذي انطلق في الستينيات بين اتجاه يرى أنه قد يقود لانسحابات محتملة لاسيما من العراق وآخر يستبعد ذلك حالياً ويدعو لبحث حلول واقعية لتجاوز التحديات للمنظمة الدولية التي خرجت منها الإمارات مايو الماضي.
ومنذ اندلاع الحرب، «عجز أوبك+ عن تعويض النقص في سوق الطاقة العالمي الناتج عن إغلاق مضيق هرمز، الذي يمرّ منه في الظروف العادية خُمس الإنتاج العالمي من النفط، أي نحو عشرين مليون برميل يومياً، ورغم أن الارتفاع الكبير في أسعار النفط الخام (93 دولاراً للبرميل من 72 دولاراً قبل الحرب) أفاد الدول المنتجة إلا أنه كشف أيضاً حدود قدرة المنظمة على أداء دورها في استقرار سوق النفط»، بحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية عشية اتخاذ قرار الزيادة.
بعد اجتماع الأحد، أفادت «رويترز»، بأن «تحالف أوبك+ أقر رابع زيادة في أهداف إنتاج النفط للشهر الرابع على التوالي، رغم أن الحرب الأميركية على إيران لا تزال تعوق قدرة دول أعضاء في التكتل على ضخ المزيد من النفط الخام»، في إشارة لإعلان الأعضاء السبعة السعودية والعراق والكويت والجزائر وكازاخستان وروسيا وسلطنة عمان، رفع حصص الإنتاج بنحو 188 ألف برميل يوميا يوليو المقبل.
وفقاً للوكالة «قلصت الحرب تدفقات النفط عبر «مضيق هرمز»، ما أدى إلى أكبر أزمة عالمية في الإمدادات، في ظل عجز دول رئيسية داخل التحالف، مثل السعودية، عن تلبية طلبات عملائها بالكامل منذ نهاية فبراير، مع تفاقم الأزمة بالنسبة لأوبك+ مع انسحاب الإمارات من منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) بعد نحو 60 عاماً من انضمامها إليها».
يرى خبير الطاقة وعضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد تشارترد للأوراق المالية والاستثمار في الإمارات، وضاح الطه، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «زيادات أوبك+ تعد زيادات شكلية واسمية فحسب، ولا يعني شيئاً حقيقياً في ظل اقتراب إنتاج المنظمة الإجمالي من حاجز 30 مليون برميل يومياً».
ويعتقد خبير اقتصاد النفط الدولي، ممدوح سلامة، في حديث لـ«إرم بزنس» أن «رفع منظمة أوبك حصة إنتاجها لن يكون له أي تأثير يذكر على أزمة هرمز خاصة وأن أي زيادة لن تصدر وبالتالي لن تؤثر الزيادة على الأسعار أو إمدادات الطاقة في العالم».
ويذهب خبير الطاقة المتحدث السابق باسم وزارة النفط العراقية عاصم جهاد، في حديث لـ«إرم بزنس» إلى أن زيادة الإنتاج «قد يكون تأثيره المباشر محدوداً في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز»، إلا أنه يرى أن «أهمية القرار ليست في حجم الزيادة بل في بعث التحالف برسالة واضحة للأسواق بأن هذا التجمع ما زال متماسكاً وقادراً على أداء دوره في إدارة التوازن النفطي العالمي».
ويختلف الخبير النفطي، مدير البحوث الاقتصادية في المركز العالمي للدراسات التنموية في المملكة المتحدة، صادق الركابي، مع هذا الطرح في حديث لـ«إرم بزنس»، قائلاً إن «الزيادة الطفيفة في إنتاج أوبك+ لا تعدو كونها رسالة طمأنة للأسواق ولكن يبدو أن أثرها سيكون ضعيفاً بالمقارنة مع حجم التهديد المرعب الذي يشكله إغلاق هرمز خاصة والمخاطر الجيوسياسية التي يعاني منها الاقتصاد العالمي بسبب توقف الملاحة تعد أكبر بكثير من مجرد الأرقام الورقية الصادرة عن أوبك+».
أظهرت بيانات «أوبك+» تراجع إنتاج المجموعة من 42.77 مليون برميل يومياً في فبراير ليبلغ في المتوسط 33.19 مليون برميل يومياً في أبريل.
ويتوقع تقرير وكالة الصحافة الفرنسية أن يتراجع إنتاج «أوبك+» أكثر بعد انسحاب الإمارات خاصة وأنها كانت رابع أكبر منتج في المنظمة وتملك قدرات إنتاجية كبيرة غير مستغلة، ويكمن الخطر الأكبر في إمكان انسحاب أعضاء آخرين، بحسب ما يقول همايون فلاكشاهي المحلل في مجموعة «كيبلر»، لافتاً إلى أنه «في حال خروج العراق، سيكون ذلك نهاية أوبك+»، متوقعاً أن أن تقوم السعودية، ببذل كل ما يلزم لمنع انسحابات إضافية.
ويقر الخبير النفطي الدولي صادق الركابي، بوجود أزمة تطول «أوبك» قائلاً إن «أزمة أوبك+ لا تتعلق بالإمدادات، بل بالتوازنات الداخلية وتباين مصالح الأعضاء، فهناك دول لها قدرات إنتاجية كبرى وتمتلك صناديق سيادية ضخمة يقابلها دول تكافح ماليا وتحتاج إلى بيع كل برميل ممكن لإنعاش ميزانياتها، لكنها تصطدم بقيود الحصص المفروضة أو بظروفها الأمنية والسياسية المعقدة».
ويعتقد الركابي أن «فكرة الانسحابات من تحالف أوبك+ لم تعد مجرد فرضية مستبعدة في ظل الضغوط الراهنة، خصوصاً بالنسبة للعراق الذي يجد نفسه اليوم في عين العاصفة، إذ يمثل مضيق هرمز شريان الحياة الوحيد تقريباً لصادراته، وأي اهتزاز في أمن الملاحة هناك يعني خنق ميزانيته مباشرة مما يجعله في معادلة صعبة بين ضمان مظلة سياسية وسعرية مع المنظمة أو عجز استراتيجي يزيد من الكابوس الاقتصادي».
وبرأي الركابي، فإن «ما يعزز تماسك تحالف أوبك+ اليوم هو الدور المهم الذي تلعبه السعودية مدعومةً بمرونة فنية وملاءة مالية تتيحان لها التدخل في أي وقت لضبط إيقاع السوق، سواء عبر المناورة بالحصص أو استخدام طاقتها الإنتاجية الفائضة كصمام أمان لطمأنة المتعاملين»، مؤكداً أن «السعودية قد تنجح في امتصاص مؤقت للصدمة لكنها لن تملك عصاً سحرية لعلاج الجذور العميقة للأزمة الهيكلية داخل التحالف».
ويبقى التحدي الأبرز الذي يهدد مستقبل «أوبك+» بحسب الركابي «هو القدرة على ضبط بوصلة القرار بين أعضائها، مما قد يجعل قيادة هذا التحالف هشة ومربكة في المراحل المقبلة، لاسيما إذا ما استمر إغلاق المضيق، وتعرضت شرايين الإمداد الحيوية في الخليج لخطر الشلل التدريجي».
لكن الخبير النفطي الدولي، ممدوح سلامة، يعتقد أن «ما يقال عن العجز المزمن الذي يحاصر أوبك+ لن يدفع إلى انسحابات أخرى وتحديدا من العراق، المتضرر الأكبر من غلق المضيق»، مضيفاً: «وعلى العكس من ذلك، فإذا وصل إنتاج العراق إلى 7 ملايين برميل في السنوات العشر القادمة، فربما قد يفكر بالانفلات من قيود منظمة أوبك، ولكنني مع ذلك أشك جداً في ذلك لأن العراق، مثله مثل بقية الدول الأعضاء في أوبك، يستفيد من الدعم الذي توفره المنظمة لهم، بكونها أكبر لاعب في مجال النفط في العالم».
ويرى أنه «عندما يفتح مضيق هرمز من جديد، أعتقد أن رفع الإنتاج من جانب منظمة أوبك سيساعد على تهدئة الأسعار، وربما كذلك يساعد على ضمان حصة أوبك في الإمدادات العالمية»، معتقداً أن «أوبك الموجودة منذ عام 1960، ستبقى موجودة حتى بعد القرن الحادي والعشرين».
ويوضح الخبير النفطي الدولي وضاح الطه، إن «المسألة الحالية لا تتعلق بوجود عجز لدى منظمة أوبك، إذ تمتلك سبع دول رئيسية في المنظمة القدرة والتأثير الفعلي على السوق، لكن الجوهر الفعلي للأزمة يكمن في السلوك الإيراني العدواني والسعي للسيطرة على هرمز، وعدم قدرة الدول المنتجة، وفي مقدمتها العراق، على إيجاد البدائل اللوجستية المناسبة لتصدير نفطها والاستفادة من ارتفاع الأسعار وزيادة الصادرات».
أكد الطه أن «البدائل المتاحة حالياً يجب ألا تقتصر على مجرد زيادة الإنتاج، بل يجب أن تركز على تصريف هذا الإنتاج عبر خطوط برية تصب في موانئ بعيدة تماماً عن مضيق هرمز»، داعياً لوضع هذا الخيار كاستراتيجية بعيدة المدى، لا سيما وأن السلوك الإيراني لا يحترم المواثيق الدولية ولا يلتزم بالعهود أو الوعود.
ويعتقد خبير الطاقة عاصم جهاد، أن «الأزمة الحالية تتجاوز مسألة توفر النفط إلى مسألة نقله ووصوله إلى الأسواق، وهي معضلة لا يمكن لأي دولة منفردة كالسعودية رغم ما تمتلك طاقات إنتاجية وفائضة وقدرات تصديرية حلها بالكامل»، لافتاً إلى أن الحديث عن احتمال انسحاب العراق أو غيره من «أوبك» و«أوبك+» «لا يبدو واقعياً في الوقت الحاضر في ظل أن المشكلة التي يواجهها اليوم ليست ناجمة عن التزاماته داخل المنظمة، وإنما عن ظرف استثنائي فرضته التطورات الإقليمية».
ويخلص جهاد إلى أن «التحدي الذي تواجهه «أوبك» و«أوبك+» اليوم هو تحدٍ مؤقت فرضته ظروف استثنائية، وليس أزمة وجود، ومع زوال هذه الظروف وعودة حركة الملاحة والتجارة إلى طبيعتها، سيعود دور المنظمة والمجموعة في التأثير على السوق وإدارة التوازن بين العرض والطلب».