
حذر مسؤولون كبار في البنوك المركزية من أن تزايد استخدام العملات المستقرة الأميركية في المدفوعات الدولية يُهدد بتسريع عملية الدولرة في اقتصادات الأسواق الناشئة، وتقويض سيطرتها على تدفقات الأموال، وفتح الباب أمام الأنشطة الإجرامية، كما ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز».
وقال بابلو هيرنانديز دي كوس، رئيس بنك التسويات الدولية في خطاب ألقاه في اليابان أمس الاثنين: «تُشكل العملات المستقرة - وهي أصول رقمية مرتبطة بعملات ورقية كالدولار - مخاطر جسيمة على النزاهة المالية، وقد تُسهل التحايل على الأنظمة والقوانين».
وأضاف أن «الاستخدام المتزايد للعملات المستقرة قد يُسهل التهرب من ضوابط رأس المال في الأسواق الناشئة والدول النامية التي تسعى للسيطرة على التدفقات المالية، ويُفاقم مخاطر الدولرة».
وأوضح أن «تزايد شعبية العملات المستقرة يفتح آفاقاً جديدة للتهرب الضريبي»، مستشهداً بتقديرات تُشير إلى أن العملات المستقرة تُشكل الآن غالبية المعاملات غير المشروعة في منظومة العملات الرقمية.
وأثار العديد من كبار صانعي السياسات المالية، خلال اجتماعهم في واشنطن الأسبوع الماضي لحضور اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مسألة تزايد استخدام العملات المستقرة المقومة بالدولار على مستوى العالم باعتبارها تهديداً للاستقرار المالي في الأسواق الناشئة.
وقال أندرو بايلي، محافظ بنك إنجلترا، خلال فعالية في القطاع المالي في واشنطن: «سينصبّ التركيز على مدى تحوّل العملات المستقرة إلى بديل للعملات المحلية».
وأضاف بايلي، الذي يرأس مجلس الاستقرار المالي التابع للهيئات التنظيمية العالمية، أن «وتيرة التقدم في وضع قواعد دولية للعملات المستقرة قد تباطأت». وتابع: «لو سألتموني قبل عام، لقلت إننا نسير بخطى حثيثة نحو ذلك. لكنني أعتقد أنه أمرٌ سيتعين علينا التعامل معه قريباً».
وقد حفّز النمو السريع للعملات المستقرة تبني الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتحمس للأصول الرقمية، ما دفع الكونغرس العام الماضي إلى إقرار «قانون جينيوس» لإدخال هذا القطاع ضمن الإطار التنظيمي للنظام المالي. ويُذكر أن حوالي 98% من سوق العملات المستقرة العالمي، الذي يبلغ حجمه 315 مليار دولار، مُقوّم بالدولار الأميركي.
وقال دان كاتز، نائب رئيس صندوق النقد الدولي والرئيس السابق لموظفي وزارة الخزانة الأميركية، إن «العملات المستقرة تعزز المنافسة وتخفض تكاليف المدفوعات». وأضاف أن «الدول تستطيع حماية نفسها من تزايد استخدام الدولار من خلال تحسين أطر الاقتصاد الكلي».
وقد عدّلت البرازيل مؤخراً تشريعاتها لتشمل مزودي العملات المستقرة ضمن القواعد التي تلزم البنوك بإجراء فحوصات مكافحة غسل الأموال على المدفوعات. ونتيجة لذلك، باتت العملات المستقرة في البرازيل تخضع لسقف 100 ألف دولار في العديد من التحويلات الخارجية.
وفي بعض الدول الناشئة، تُشكّل العملات المستقرة المقومة بالدولار الأميركي بالفعل حصة كبيرة من المدفوعات، بما في ذلك المدفوعات عبر الحدود، كما صرّح توبياس أدريان، مدير إدارة الأسواق النقدية ورأس المال في صندوق النقد الدولي، لصحيفة «فايننشال تايمز».
وقدّر محللون في بنك «ستاندرد تشارترد» أن مدخرات الأفراد في الأسواق الناشئة، والمُحتفظ بها بعملات مستقرة مقومة بالدولار الأميركي، قد ترتفع من 173 مليار دولار أواخر العام الماضي إلى 1.22 تريليون دولار بحلول نهاية عام 2028، مع العلم أن هذا المبلغ لا يزال يُمثل 2% فقط من إجمالي الودائع المصرفية في تلك الدول.
ووفقاً لـ «ستاندرد تشارترد»، من المتوقع أن يكون هذا النمو الأقوى في الدول التي شهدت مؤخراً أزمة في ميزان المدفوعات أو التي تخضع لبرامج استقرار من صندوق النقد الدولي، مثل مصر وباكستان وبنغلاديش.