الدولار يتحرك قرب مستوى 98 نقطة
تبدد توقعات رفع بنك اليابان سعر الفائدة

الدولار لا يتفاعل مع الحرب كما يبدو، بل مع ما بعدها، وتداعياتها على التضخم والفائدة، ويتضح ذلك من استقرار مؤشره قرب مستوى 98 نقطة، مع موازنة المستثمرين بين مخاطر الحرب وتوقعات السياسة النقدية الأميركية.
وظل الدولار مستقراً إلى حد بعيد اليوم الثلاثاء، في ظل موازنة المستثمرين بين مخاطر الإمدادات الناجمة عن سيطرة البحرية الأميركية على حركة السفن التي تحاول دخول مضيق هرمز أو مغادرته، وبين احتمالات استمرار الحوار بين واشنطن وطهران.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب: إن الجيش بدأ فرض سيطرة على حركة السفن المغادرة لموانئ إيران أمس الاثنين. في وقت هددت فيه طهران بالرد عبر استهداف موانئ جيرانها في الخليج، بعد فشل محادثات مطلع الأسبوع في باكستان بشأن إنهاء الحرب.
وتفيد تقارير بأن المفاوضات بين واشنطن وطهران لا تزال قائمة، رغم التوتر والتباعد في الرؤى خلال اجتماع مطلع الأسبوع في إسلام آباد.
وقال ترامب، أمس، إن «إيران تواصلت مع الولايات المتحدة وترغب في التوصل إلى اتفاق»، بينما قال نائبه جيه.دي فانس إن «واشنطن تتوقع أن تحرز طهران تقدماً بشأن فتح مضيق هرمز»، وهو ما يبقي السوق في حالة ترقب، إذ لا يكفي التصعيد وحده لتحريك العملات دون وضوح المسار السياسي.
تراجعت احتمالات رفع بنك اليابان المركزي سعر الفائدة هذا الشهر، بعد أن أدى تلاشي الآمال في إنهاء الحرب مع إيران إلى استمرار تقلب الأسواق وإرباك التوقعات الاقتصادية، بحسب سوق العقود الآجلة.
وقفز الدولار أمس مقابل الين قرب مستويات التدخل السابقة عندما تجاوز 160 يناً للدولار، وجاء الصعود بعد انهيار محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، واستعداد البحرية الأميركية لفرض حصار على حركة الملاحة في الموانئ الإيرانية.
كما ارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 3.2 نقطة أساس لتصل إلى 2.496%، وهو أعلى مستوى لها منذ ما يقرب من ثلاثة عقود؛ ما يعزز فكرة أن السياسة النقدية لا تزال العامل الأكثر تأثيراً في تحركات العملات.
تشير تلك التحركات المحدودة إلى حالة حذر في السوق، وتعكس غياب اتجاه واضح.
وقال المحلل في «ميتسوبيشي يو.إف.جيه بنك» تيروماسا كاواكامي في مذكرة: «تساعد التوقعات باستمرار المفاوضات على وقف تدهور المعنويات في الأسواق المالية».
وأدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط الخام بأكثر من 40%، ومعها قفز الدولار بأكثر من 3% في بدايتها، إذ عزز ارتفاع النفط مخاوف التضخم وتباطؤ النمو العالمي.
وفي هذا السياق، أظهر استطلاع لـ«بنك أوف أميركا» أن نحو خُمس المستثمرين يرون أن اتخاذ مراكز سلبية على الدولار يمثل الرهان الأكثر قناعة في عام 2026.
وقال البنك: «في ظل توقعات بأن يكون زخم العملة نتيجة حرب إيران مؤقتاً، وأن مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) سيفضل على الأرجح انتهاج سياسة تيسيرية؛ ما يضع الدولار بين دعم مؤقت من الحرب وضغوط محتملة من السياسة النقدية».
وقال مارك تشاندلر، كبير المحللين لدى «بانوكبيرن كابيتال ماركتس» في نيويورك: «دخلت السوق عطلة نهاية الأسبوع بحالة من التفاؤل، بعد أن أنهى الدولار التعاملات قرب أدنى مستوياته».
وأضاف: «السوق على المدى القصير يسير في الاتجاه الخاطئ، فالدولار يتبع خطى النفط، والنفط يتبع خطى المفاوضات».
وتابع: «نظراً لإمكانية حدوث تصعيد كبير، أعتقد أن السوق يُظهر قدراً كبيراً من ضبط النفس»، وهو ما يكشف انتقال مركز التأثير من الجغرافيا السياسية إلى أسعار الطاقة، ثم إلى الفائدة.
وقال 21% من المشاركين في استطلاع «بنك أوف أميركا» إن اتخاذ مراكز سلبية على الدولار يمثل أعلى الرهانات قناعة، وهي النسبة العليا منذ سبتمبر.
في المقابل، تصدرت الرهانات على أسعار الفائدة طويلة الأجل قائمة التفضيلات، إذ قال 28% إن هذا هو خيارهم الاستثماري المفضل.
ويعني اتخاذ مركز بيع سلبي أن المستثمرين يتوقعون تراجع قيمة الأصل، بينما يشير الشراء إلى توقعات بارتفاعه، في دلالة على أن السوق يتعامل مع قوة الدولار الحالية باعتبارها مؤقتة وليست اتجاهاً مستداماً.
ووفقاً للاستطلاع، غطى المستثمرون مراكز البيع على الدولار، لكنهم لا يرغبون في الشراء، في إشارة إلى أن الدعم الناتج عن حرب إيران يُنظر إليه على أنه مؤقت.
ومن المرجح أن يميل مجلس الاحتياطي إلى التيسير النقدي، كما يستبعد المشاركون رفع أسعار الفائدة.
وقال 29% من المشاركين: إن الرهان على المخاطر لا يزال الأكثر ترجيحاً، متقدماً بفارق طفيف على الرهان على ارتفاع أسعار الفائدة، المفضل لدى 21% من المشاركين.
وأوضح «بنك أوف أميركا» أن تمركز المستثمرين في عملات الأسواق الناشئة أصبح واضحاً، مشيراً إلى أن هذه الأصول قد تستفيد من تزايد التفاؤل الجيوسياسي.
لم يعد الدولار يتحرك وفق منطق الحرب، بل وفق مزيج تقوده الفائدة وتعيد تشكيله التوقعات، في سوق لم تعد فيه الأحداث هي المحرك، بل تفسيرها.