الدولار يبدد كل مكاسب حرب إيران
السوق بدأ تسعير عودة المفاوضات

انخفض الدولار للجلسة الثامنة على التوالي، في تحرك لا يعكس ضعفاً تقليدياً بقدر ما يكشف تحولاً أعمق في سلوك السوق، حيث لم يعد المستثمرون يسعّرون الحرب نفسها، بل يسعّرون نهايتها، وهو ما يدفع العملة الأميركية للتراجع رغم استمرار التوترات.
تفيد التقارير أن فرق التفاوض من الولايات المتحدة وإيران ربما تعود إلى إسلام آباد خلال الأسبوع الجاري لاستئناف المحادثات بهدف إنهاء الحرب، وذلك بعد أن دفع انهيار المفاوضات التي جرت في مطلع الأسبوع واشنطن إلى فرض حصار على الموانئ الإيرانية.
هذا التباين بين الواقع والتسعير يكشف أن الدولار لم يعد يتحرك كرد فعل مباشر للأحداث، بل كحلقة ضمن سلسلة تبدأ بالنفط، وتمر بتوقعات التضخم، وتنتهي بمسار الفائدة.
قال كبير محللي السوق لدى «كورباي» في تورونتو، كارل شاموتا: «هناك توجيهات واضحة للغاية من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالسعي لإيجاد مخرج من الأزمة».
أضاف شاموتا: «هذا يعزز توقعات السوق بالتوصل في نهاية المطاف إلى اتفاق رمزي بين الولايات المتحدة وإيران يسمح بوقف الهجمات وإعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما يضغط على النفط، وبالتبعية الدولار».
وتابع في مذكرة للعملاء: «الأمر الثاني المهم، على الأقل في سياق أسواق الصرف الأجنبية، هو انعدام الثقة بشكل عام؛ فالمتداولون غير مستعدين للرهان بمبالغ كبيرة على أي تطورات».
كما انخفض النفط لليوم الثاني على التوالي، بعد أن خسر أمس خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 4.36% إلى 94.75 دولاراً للبرميل، ويتراجع أكثر من 20 دولاراً في يومين.
مع نهاية العام الماضي، ازدادت توقعات المستثمرين على نطاق واسع بإقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» على خفضين على الأقل لأسعار الفائدة خلال العام الجاري، لينخفض خلال عام 2025 نحو 10%.
قال رئيس الاحتياطي الاتحادي في شيكاغو أوستن غولسبي إن خفض أسعار الفائدة قد يتأجل حتى عام 2027، وذلك تبعاً لمدى استمرار ارتفاع أسعار النفط.
لكن الدولار لا يتفاعل مع التصريحات كما يبدو، بل مع الحرب وما بعدها، وتداعياتها على التضخم والفائدة، ويتضح ذلك من استقراره قرب مستوى 98 نقطة، مع موازنة المستثمرين بين مخاطر الحرب وتوقعات السياسة النقدية الأميركية.
وظل الدولار مستقراً إلى حد بعيد اليوم، في ظل موازنة المستثمرين بين مخاطر الإمدادات الناجمة عن سيطرة البحرية الأميركية على حركة السفن التي تحاول دخول مضيق هرمز أو مغادرته، وبين احتمالات استمرار الحوار بين واشنطن وطهران.
بحسب استطلاع «بنك أوف أميركا» الأسبوع الجاري، غطى المستثمرون مراكز البيع على الدولار، لكنهم لا يرغبون في الشراء، في إشارة إلى أن الدعم الناتج عن حرب إيران يُنظر إليه على أنه مؤقت.
من المرجح أن يميل مجلس الاحتياطي إلى التيسير النقدي، كما يستبعد المشاركون رفع أسعار الفائدة.
قال 29% من المشاركين إن الرهان على المخاطر لا يزال الأكثر ترجيحاً، متقدماً بفارق طفيف على الرهان على ارتفاع أسعار الفائدة، المفضل لدى 21% من المشاركين.
وأوضح «بنك أوف أميركا» أن تمركز المستثمرين في عملات الأسواق الناشئة أصبح واضحاً، مشيراً إلى أن هذه الأصول قد تستفيد من تزايد التفاؤل الجيوسياسي.
تشير تلك التحركات المحدودة إلى حالة حذر في السوق، وعدم رغبة المتداولين في المغامرة بضخ سيولة واسعة.
قال المحلل في «ميتسوبيشي يو إف جيه بنك» تيروماسا كاواكامي في مذكرة: «تساعد التوقعات باستمرار المفاوضات على وقف تدهور المعنويات في الأسواق المالية».
أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط الخام بأكثر من 40%، ومعها قفز الدولار بأكثر من 3% في بدايتها، إذ عزز ارتفاع النفط مخاوف التضخم وتباطؤ النمو العالمي.
في هذا السياق، أظهر استطلاع لـ«بنك أوف أميركا» أن نحو خُمس المستثمرين يرون أن اتخاذ مراكز سلبية على الدولار يمثل الرهان الأكثر قناعة في عام 2026.
قال مارك تشاندلر، كبير المحللين لدى «بانوكبيرن كابيتال ماركتس» في نيويورك: «السوق على المدى القصير يسير في الاتجاه الخاطئ، فالدولار يتبع خطى النفط، والنفط يتبع خطى المفاوضات».
وتابع: «نظراً لإمكانية حدوث تصعيد كبير، أعتقد أن السوق يظهر قدراً كبيراً من ضبط النفس»، وهو ما يكشف انتقال مركز التأثير من الجغرافيا السياسية إلى أسعار الطاقة، ثم إلى الفائدة.
كما قال البنك: «في ظل توقعات بأن يكون زخم العملة نتيجة حرب إيران مؤقتاً، وأن مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) سيفضل على الأرجح انتهاج سياسة تيسيرية، ما يضع الدولار بين دعم مؤقت من الحرب وضغوط محتملة من السياسة النقدية».
لم يعد الدولار يتحرك داخل قواعد السوق التقليدية، بل داخل مساحة رمادية تتداخل فيها الحرب مع توقعات الفائدة وأسعار الطاقة، لذلك تأتي التراجعات الحالية انعكاساً لسوق لم يحسم بعد اتجاهه الحقيقي.