
تراجعت الطروحات العامة الأولية في أسواق الشرق الأوسط بأكثر من الثلث، مسجلة أضعف مستوياتها منذ عام 2020، مع انحسار الزخم الذي أعقب جائحة كورونا، وتأثر الأسواق بانخفاض أسعار النفط، ما زاد الضغوط على الاقتصاد السعودي، في وقت أسهمت فيه تراجعات أسهم الشركات المدرجة حديثاً في إحجام المستثمرين.
وفقاً لبيانات منصة «ديلوجيك» المالية، ونشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز»، جمعت الشركات في المنطقة نحو 6.5 مليار دولار من خلال الاكتتابات العامة الأولية من يناير وحتى نهاية نوفمبر، مقارنة بـ9.9 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.
تشير التقديرات إلى أن إجمالي الطروحات للعام بأكمله سيكون الأضعف منذ 2020، حين جمعت الشركات 2.4 مليار دولار فقط، ومقابل 10.7 مليار دولار في 2023، وبانخفاض حاد مقارنة بعام 2022 الذي شهد 62 صفقة طرحت 22.5 مليار دولار، فيما سجلت طروحات عام 2021 نحو 7.9 مليار دولار.
إلى جانب تراجع أسعار النفط، أرجع مستثمرون ومصرفيون هذا التباطؤ إلى الأداء الضعيف لبعض الشركات المدرجة حديثاً، إضافة إلى تراجع وتيرة الخصخصة، بعد أن كانت طروحات الشركات المملوكة للدولة والإصلاحات التنظيمية قد أسهمت في خلق زخم قوي لصفقات الاكتتاب عقب جائحة كوفيد- 19.
وقال رئيس منطقة الشرق الأوسط في شركة «كانتور» علي خالبي، لصحيفة «فاينانشال تايمز»، إن التباطؤ جاء بعد «فترة قوية جداً»، مشيراً إلى أن المستثمرين باتوا يعيدون تقييم مستويات التسعير، ولم يعد الإقبال على الاكتتابات يتم بالزخم نفسه السابق.
من جانبه، أوضح مدير الصناديق في شركة «تشين كابيتال» بدبي كارل توما، أن السعودية والإمارات استفادتا خلال ثلاث أو أربع سنوات من زخم إيجابي مدعوم بضعف الصين وقوة الدولار، إلى جانب الإصلاحات الهيكلية في دول الخليج الغنية بالنفط.
لكنه أشار إلى أن عودة الصين لتكون وجهة استثمارية جذابة، إلى جانب ضعف الدولار، وتراجع أسعار النفط، ألقى بظلاله على جاذبية السوق السعودية، رغم استمرار قوة العوامل الأساسية في الإمارات مثل النمو السكاني.
وسجلت أسواق الإمارات في دبي وأبوظبي طروحات بقيمة مليار دولار فقط هذا العام، مقارنة بـ6 مليارات دولار في العام الماضي، وذروة بلغت 12 مليار دولار في 2022.
كما لم يتحقق الاكتتاب المرتقب لشركة «الاتحاد للطيران» هذا العام، فيما سحب موقع الإعلانات «دوبيزل» خططه للإدراج في سوق دبي بانتظار «التوقيت الأمثل».
كذلك ألغت شركة «إفسيم» السعودية لإدارة المرافق طرحها هذا الشهر، والذي كان من المتوقع أن يقيمها بنحو 300 مليون دولار.
يواجه القطاع الخاص منافسة قوية من الشركات المملوكة للدولة، التي يفضلها المستثمرون لما توفره من احتكارات وعوائد توزيعات مستقرة.
وقالت كبيرة مسؤولي الاستثمار في «ويلثبريكس كابيتال بارتنرز» بدبي أنيتا غوبتا، إن السوق اعتادت على كيانات ذات عوائد توزيعات مرتفعة وأصول عالية الجودة.
في المقابل، شهدت أسهم بعض أبرز الشركات التي أدرجت العام الماضي تراجعات حادة، ما خلق حالة من القلق في السوق.
وقال رئيس أسواق الأسهم في الشرق الأوسط وآسيا لدى «روتشيلد» فينلاي رايت، إن هذا الأداء شكل «عبئاً كبيراً» على السوق وأثار مخاوف بشأن الطروحات المستقبلية.
وانخفض سهم شركة «طلبات» بنحو 25% منذ إدراجها في دبي في ديسمبر 2024، في أكبر طرح خليجي لذلك العام. كما تراجعت أسهم «لولو للتجزئة» بنحو 40% منذ إدراجها في أبوظبي في نوفمبر الماضي، بينما فقد سهم «سبينيس» نحو 6% منذ طرحه في دبي.
وشهد عام 2025 في دبي طرحين فقط استفادا من ارتفاع أسعار العقارات، حيث جمعت شركة «أليك» للإنشاءات 381 مليون دولار، بينما جمعت «دبي القابضة» 584 مليون دولار من خلال طرح صندوق استثمار عقاري. وفي أبوظبي، كان طرح شركة «ألفا داتا» بقيمة 163 مليون دولار هو الطرح الوحيد هذا العام.
تصدرت السعودية المنطقة من حيث عدد الطروحات، مع إدراج 36 شركة في سوق «تداول» وجمع نحو 4 مليارات دولار، وهو مستوى قريب من العام الماضي، رغم تراجع المؤشر العام بنحو 12% منذ بداية العام. غير أن ثقة المستثمرين تأثرت بانخفاض أسعار النفط واتساع العجز المالي، ما دفع الحكومة إلى إعادة تقييم بعض المشاريع العملاقة الهادفة لتنويع الاقتصاد.
تراجعت أسهم شركات كبرى أدرجت حديثاً في السوق السعودية، إذ انخفض سهم «طيران ناس» بنحو 17% منذ طرحه في يونيو، فيما هبط سهم «يونايتد كرتون إندستريز» بنسبة 40% بعد شهر من طرحه.
وأشار رايت إلى أن عدم تحقيق بعض الشركات لتوقعات الأرباح كان له أثر سلبي كبير على أداء الأسهم.
أما الأسواق الخليجية الأصغر، فلم تتمكن من البناء على زخم العام الماضي، إذ لم تشهد البحرين والكويت أي طروحات في 2025، بعد أن سجلت كل منهما طرحاً واحداً في العام السابق. في حين جمعت سلطنة عمان 333 مليون دولار من طرح واحد هذا العام، مقارنة بـ2.5 مليار دولار من ثلاثة طروحات في 2024.