60 شركة مستهدفة ضمن خطة تمتد حتى نهاية 2026
ضغوط صندوق النقد الدولي تعجّل بتنفيذ الإصلاحات

بعد انطلاقة واعدة واهتمام محلي ودولي واسع، خفت زخم برنامج الطروحات الحكومية في مصر خلال عام 2025، رغم كونه إحدى الركائز الأساسية لخطة الإصلاح الاقتصادي الهادفة إلى توسيع قاعدة الملكية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وجذب رؤوس أموال جديدة.
ورغم تحديد هدف طموح بطرح حصص في عشرات الشركات المملوكة للدولة بعوائد تصل إلى 12.2 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات، فإن مسار التنفيذ تباطأ مقارنة بإشارات البداية، ما أعاد الملف إلى دائرة المتابعة كإحدى أدوات تنشيط الاقتصاد وجذب الاستثمار.
في محاولة لتوضيح أسباب التأخر في الطروحات المقررة، أكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، خلال مؤتمر صحفي عقده يوم الأربعاء 22 أكتوبر الماضي، أن التوترات الإقليمية أبطأت من وتيرة برنامج الطروحات الحكومية، مشيراً إلى أن هذه التوترات أثرت سلبياً على شهية المستثمرين واستقرار البورصة المصرية.
أوضح مدبولي أن الحكومة تستهدف تنفيذ ما بين ثلاثة إلى أربعة طروحات سنوياً في قطاعات حيوية ومتنوعة، تشمل القطاع المالي، والتأمين، وإدارة المطارات، واللوجستيات، والطاقة المتجددة، بهدف فتح المجال أمام الاستثمار الخاص وتعزيز التنافسية، وجاءت هذه التصريحات لتؤكد استمرار التزام الحكومة بالبرنامج.
منذ إطلاق البرنامج في عام 2022، نجحت الحكومة في تحقيق تقدم ملموس، إذ جمعت 5.8 مليار دولار من بيع حصص في 14 شركة حتى يونيو 2025، وهو ما يمثل 47.5% من الهدف الإجمالي البالغ 12.2 مليار دولار.
وكان أبرز هذه الإنجازات في يوليو 2023، عندما أعلنت الحكومة عن جمع 1.9 مليار دولار من 14 شركة، شملت بنوكاً رئيسية في القطاع المالي مثل بنك القاهرة، والمصرف المتحد، والبنك العربي الإفريقي الدولي.
وامتدت الطروحات إلى قطاع الطاقة، حيث تم بيع حصص في محطات رياح جبل الزيت ومحطة رياح الزعفرانة، بالإضافة إلى شركات صناعية كبرى مثل موبكو، وأبو قير للأسمدة، وإيثيديكو، وإيلاب.
كما شملت الجهود شركات تابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية في قطاعات حيوية مثل وطنية، وسايلو فودز، وصافي، إلى جانب شركات عقارية بارزة مثل النصر للإسكان والتعمير ومدينة نصر للإسكان والتعمير.
رغم هذه الإنجازات السابقة، فإن الإعلانات المتكررة خلال عام 2025 عن طروحات جديدة لم تُترجم إلى تقدم ملموس حتى أكتوبر، ما أثار مخاوف المستثمرين والمراقبين. فقد أعلن وزير المالية المصري أحمد كجوك، في مقابلة تلفزيونية الأسبوع الماضي، أن الحكومة تستهدف تنفيذ ما بين ثلاث إلى أربع طروحات سنوياً، مع توقع تحقيق عائد يتراوح بين 3 و4 مليارات دولار بنهاية العام.
في السياق نفسه، أكد المتحدث باسم مجلس الوزراء محمد الحمصاني، في نهاية أكتوبر 2025، أن الحكومة ملتزمة بتنفيذ خطوات فعلية قبل نهاية العام، مشيراً إلى أن العمل جارٍ على تحديد الإطار الزمني الأمثل لضمان أفضل عائد ممكن. ومع ذلك، لم يتم الإعلان عن أي طروحة جديدة كبيرة في النصف الثاني من عام 2025، رغم الوعود السابقة بطرح 10 إلى 11 شركة، من بينها خمس شركات تابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية وبنك القاهرة، وهو ما يعكس تعقيدات التنفيذ في ظل الظروف الراهنة.
أبرز هذه الأسباب، كما أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في مؤتمره الصحفي، هو تأثير التوترات الإقليمية التي أدت إلى تراجع شهية المستثمرين وتقلبات في الأسواق المالية، خاصة مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط وتأثيرها على تدفقات رأس المال الأجنبي.
في هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي، محمد عبد العال، في حديث مع «إرم بزنس»، إن الحكومة تواجه ضغطاً متزايداً من صندوق النقد الدولي للإسراع في تنفيذ الطروحات، لكن التنفيذ مرهون باستقرار السوق وشهية المستثمرين، وهو ما يتأثر مباشرة بالتوترات الإقليمية.
فيما يرى رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، رشاد عبده، في حديثه مع «إرم بزنس»، أن البرنامج يهدف أساساً إلى رفع نسبة الاستثمار الخاص إلى 50% من إجمالي الاستثمارات بحلول العام المالي 2025/2026، لكن التوترات الإقليمية والجيوسياسية وتأخر الإصلاحات الداخلية تُعيق تحقيق هذا الهدف.
فيما يؤكد عبد العال أن البرنامج يساهم في إتاحة مشاركة أكبر وأكثر كفاءة للقطاع الخاص في إدارة الأصول الحكومية، لكنه ينتقد بشدة الاعتماد المفرط على ظروف السوق غير المستقرة، مما يجعل التصريحات الحكومية تبدو أقرب إلى الوعود منها إلى التنفيذ الفعلي.
هناك العديد من الشركات المستهدفة في برنامج الطروحات المنتظر، تغطي 18 قطاعاً اقتصادياً، ضمن خطة طموحة للوصول إلى طرح حصص في 60 شركة قبل نهاية عام 2026.
في القطاع المالي، تم بالفعل طرح حصص في بنوك رئيسية مثل بنك القاهرة والمصرف المتحد، مع وجود خطط لطرح مزيد من الحصص في بنوك أخرى.
حول إمكانية تنفيذ البرنامج، يؤكد رشاد عبده، في حديثه لـ«إرم بزنس»، أن هناك فرصة لا تزال قائمة خلال الشهرين المتبقيين من العام الحالي لتنفيذ بعض الطروحات، مشيراً إلى وجود رغبة حقيقية في فتح جميع القطاعات أمام المنافسة. لكنه يوضح أن التنفيذ الفعلي يتطلب بيئة مالية مستقرة وثقة مستدامة من المستثمرين.
يشير عبده إلى أن الاقتصاد المصري يُظهر مرونة رغم الضغوط، إذ سجّل نمواً بلغ 4.2% في الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، مدعوماً بزيادة الاستثمارات الخاصة والانتعاش الصناعي، مع تراجع التضخم إلى 12.5% وانخفاض معدل البطالة إلى 6.4%.
خلال الأسبوع الماضي، أكد رئيس الوزراء المصري أن عام 2026 سيكون «عام الطروحات الأكبر حجماً وتأثيراً»، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على تهيئة الظروف المناسبة لتحقيق ذلك. كما توقّع وزير المالية أحمد كجوك تسجيل زيادة ملحوظة في الطروحات خلال 2026 لدعم تحقيق نمو اقتصادي يصل إلى 5.5% وتضخم يقل عن 10%.
مع ذلك، يحذر عبد العال، في حديثه مع «إرم بزنس»، من أن النجاح الكامل للبرنامج يعتمد على استقرار السوق المالية، وتلبية اشتراطات صندوق النقد الدولي، وتجاوز التوترات الإقليمية.
ويؤكد أن التغلب على التأخير يتطلب حلولاً عاجلة تشمل تعزيز الإصلاحات الداخلية، وتحسين مناخ الاستثمار، واستغلال الفرص المتاحة لتحويل الطموحات إلى إنجازات ملموسة تدفع عجلة التنمية الاقتصادية في مصر.