
استقرت الأسهم الأميركية خلال تعاملات الثلاثاء قرب مستوياتها القياسية، مدعومة بنتائج أعمال قوية لعدد من أكبر بنوك «وول ستريت»، رغم استمرار موجة البيع في أسهم شركات أشباه الموصلات، وسط مخاوف متزايدة بشأن المنافسة الصينية والعوائد المتوقعة من الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي.
وبحسب تقرير لوكالة «بلومبرغ»، ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بأقل من 0.1% خلال التعاملات الصباحية في نيويورك، ليظل قريباً من مستوى قياسي جديد، فيما تراجع مؤشر «ناسداك 100» بنسبة 0.3% تحت ضغط أسهم التكنولوجيا.
وتعرضت شركات تصنيع مكونات وحدات تخزين البيانات لخسائر حادة، إذ هبط سهم «سيغيت تكنولوجي» بنسبة وصلت إلى 7.9%، بينما تراجع سهم «ويسترن ديجيتال» بنسبة 5.5%.
وجاءت هذه التحركات مع اتساع المخاوف من أن تؤدي التطورات التقنية لدى الشركات الصينية إلى زيادة المنافسة في سوق رقائق الذاكرة، التي استفادت خلال الفترة الماضية من الطلب المرتبط بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
تزايدت الضغوط على أسهم أشباه الموصلات بعدما أظهرت شركة «تشانغ شين ميموري تكنولوجيز» الصينية تقدماً في تقليص الفجوة التكنولوجية مع أكبر منتجي رقائق الذاكرة في العالم، ومن بينهم «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس» و«ميكرون تكنولوجي».
وأثارت هذه التطورات مخاوف المستثمرين من احتمال تراجع القدرة التسعيرية للشركات الثلاث الكبرى في سوق ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية «دي رام»، إلى جانب تعرض حصصها السوقية لضغوط متزايدة.
وانخفض سهم «ميكرون» والأسهم الأميركية المدرجة لشركة «إس كيه هاينكس» بنحو 5% لكل منهما، فيما تراجع سهم «سانديسك» بنسبة 3.8%. كما هبط سهم «إيه إم دي» بنسبة 2.2%، بينما سجل سهما «إنفيديا» و«برودكوم» انخفاضات تقل عن 0.5%.
وبحسب بيانات «بلومبرغ»، تراجع مؤشر أسهم شركات الرقائق الأميركية بنحو 9% مقارنة بذروته المسجلة في أكتوبر/تشرين الأول، في إشارة إلى اتساع موجة التصحيح التي يشهدها القطاع.
في المقابل، ساعدت نتائج أعمال البنوك الأميركية على الحد من خسائر المؤشرات الرئيسة، مع انطلاق موسم إعلان أرباح الشركات للربع الثالث.
وارتفع سهم «جيه بي مورغان تشيس» بنسبة 1.7%، متجاوزاً خسائره المبكرة، بعدما رفع البنك توقعاته لصافي إيرادات الفوائد للعام بأكمله. وكان سهم أكبر بنك أميركي قد حقق مكاسب بلغت 3.8% فقط منذ بداية العام وحتى إغلاق الاثنين، ما يعكس أداءً أكثر اعتدالاً مقارنة ببعض قطاعات السوق الأخرى.
كما صعد سهم «غولدمان ساكس» بنسبة 1.7%، بعدما تجاوزت إيرادات تداول الأسهم توقعات المحللين خلال الربع الثالث. وسجل «سيتي غروب» أفضل أداء لإيرادات تداول أدوات الدخل الثابت خلال الربع الثالث منذ عقد على الأقل، فيما أعلن «ويلز فارغو» أرباحاً فصلية تجاوزت تقديرات وول ستريت، مدعومة باستقرار أوضاع المستهلكين والشركات. ورغم النتائج الإيجابية، تراجع سهم «سيتي غروب» بنسبة 0.3%، وانخفض سهم «ويلز فارغو» بنسبة 0.6%.
قال جيفري روتش، كبير الاقتصاديين لدى «إل بي إل فاينانشال»، إن نتائج البنوك تشير إلى استمرار استعداد المؤسسات المالية للإقراض، بالتزامن مع تقلص فروق العوائد الائتمانية وارتفاع طلب الشركات على التمويل رغم بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة.
وأضاف أن مخاطر التضخم والتوترات الجيوسياسية لا تزال تلقي بظلالها على التوقعات الاقتصادية، لكن الشركات تبدو مستعدة لتجاوز جانب من حالة عدم اليقين عندما تتوافر فرص نمو جذابة.
وتأتي هذه المؤشرات في وقت تمر فيه الشركات الأميركية بإحدى أقوى دورات نمو الأرباح في السنوات الأخيرة، رغم التحديات المرتبطة بتكاليف التمويل وارتفاع أسعار الطاقة.
رغم قوة أرباح الشركات، تتزايد تساؤلات المستثمرين بشأن قدرة الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد مالية تبرر حجم الإنفاق والتقييمات السوقية المرتفعة.
وتزداد أهمية هذه المخاوف مع ارتفاع تكلفة رأس المال، ما يرفع العائد المطلوب من المشروعات الجديدة حتى تكون مجدية اقتصادياً.
وكان الرئيس التنفيذي لشركة «برودكوم»، هوك تان، قد حذر من تحديات تتعلق بتمويل التوسع في الذكاء الاصطناعي، كما شبه بعض مظاهر معنويات السوق بأجواء المقامرة، في تصريحات عززت حذر المستثمرين تجاه القطاع.
ورغم تراجع أسهم الرقائق، حافظت شركات تكنولوجية كبرى أخرى على أداء إيجابي خلال جلسة الثلاثاء، إذ ارتفعت أسهم «أبل» و«مايكروسوفت» و«ألفابت»، ما ساعد على الحد من الضغوط على مؤشرات السوق.
أظهر أحدث استطلاع لمديري الصناديق أجراه «بنك أوف أميركا» أن انكشاف المستثمرين على أسهم التكنولوجيا بلغ أعلى مستوياته منذ التعافي الذي أعقب جائحة كورونا قبل نحو 6 سنوات.
وبحسب البيانات التي أوردتها «بلومبرغ»، بلغت نسبة المستثمرين الذين يحتفظون بوزن أعلى من المؤشر المرجعي في قطاع التكنولوجيا نحو 37%.
وفي الوقت نفسه، أظهر الاستطلاع انقساماً بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي، إذ توقع 45% من المشاركين تشكل فقاعة في القطاع خلال عام 2027، بينما استبعد 42% حدوث ذلك.
وتعكس هذه النتائج حالة من التباين في الأسواق، حيث يواصل المستثمرون الرهان على النمو طويل الأجل للذكاء الاصطناعي، رغم تزايد المخاوف بشأن ارتفاع التقييمات والمنافسة الصينية وجدوى الإنفاق الرأسمالي.
وبينما توفر نتائج البنوك الأميركية دعماً للأسهم، يبقى أداء قطاع التكنولوجيا عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه وول ستريت، خصوصاً مع تصاعد التساؤلات بشأن استدامة طفرة الذكاء الاصطناعي.