
يتجه الإنفاق الفيدرالي الأميركي على العقود الحكومية إلى تجاوز حاجز تريليون دولار للمرة الأولى في التاريخ، مدفوعاً بزيادة كبيرة في مخصصات وزارة الأمن الداخلي، رغم حملة خفض النفقات التي قادتها إدارة الكفاءة الحكومية «دوج» خلال بداية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب.
وبحسب تقرير لوكالة «بلومبرغ»، نشر اليوم الثلاثاء، فإن الارتفاع القياسي في الإنفاق على العقود يعكس استمرار توسع الالتزامات المالية للحكومة الأميركية، رغم الإجراءات التي استهدفت تقليص البرامج الفيدرالية وخفض أعداد الموظفين.
وجاءت الزيادة بصورة رئيسية نتيجة ارتفاع الإنفاق لدى وزارة الأمن الداخلي، التي حصلت على تمويل إضافي ضخم بموجب قانون «مشروع القانون الكبير والجميل»، الذي أقره الجمهوريون العام الماضي.
خصص التشريع عشرات المليارات من الدولارات لدعم خطط وزارة الأمن الداخلي لتسريع عمليات ترحيل المهاجرين وتوسيع الطاقة الاستيعابية لمراكز احتجاز المهاجرين في أنحاء الولايات المتحدة.
وأسهمت هذه المخصصات في زيادة الإنفاق على العقود المرتبطة بالخدمات والمنشآت والعمليات التي تنفذها الوزارة، بالتزامن مع تكثيف أنشطة إنفاذ قوانين الهجرة في عدد من المدن الأميركية.
ووفقاً لأحدث تقديرات «بلومبرغ غافرنمنت»، بلغ الإنفاق على العقود لدى الجهات الفيدرالية المدنية، بما فيها وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك «آيس»، نحو 344.7 مليار دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر 2026.
في المقابل، يُتوقع أن يصل إنفاق وزارة الدفاع الأميركية على العقود إلى 660.9 مليار دولار، ما يرفع إجمالي الإنفاق الفيدرالي المتوقع إلى نحو 1.006 تريليون دولار.
ويمثل هذا المستوى رقماً قياسياً جديداً، ويبرز حجم الاعتماد الحكومي على الشركات الخاصة لتوفير المعدات والخدمات وتنفيذ المشروعات والبرامج الفيدرالية.
رغم ارتفاع الإنفاق الإجمالي، تركت إجراءات إدارة الكفاءة الحكومية بصمة واضحة على سوق المشتريات الفيدرالية، من خلال تقليص عدد الموظفين المسؤولين عن إدارة العقود الحكومية وطرح المناقصات التنافسية.
وأظهر التحليل انخفاض عدد مسؤولي التعاقدات في الجهات الفيدرالية غير الدفاعية بنسبة 19% بين أكتوبر 2024 وأكتوبر 2025. كما تراجع عدد العاملين في الوظائف المماثلة داخل وزارة الدفاع بنسبة 9% خلال الفترة نفسها.
ويمثل مسؤولو التعاقدات في الجهات غير الدفاعية نحو ثلث إجمالي العاملين في هذا المجال على المستوى الفيدرالي. ويثير هذا التراجع تساؤلات بشأن قدرة الجهات الحكومية على إدارة حجم متزايد من العقود والمشتريات في ظل انخفاض أعداد الموظفين المكلفين بالإشراف عليها.
يرى بعض خبراء المشتريات الحكومية أن تقليص البرامج الفيدرالية وأعداد الموظفين ربما أدى بصورة غير مباشرة إلى زيادة الإنفاق على العقود، بدلاً من خفضه.
فمع تراجع الموارد البشرية داخل المؤسسات الحكومية، قد تكون بعض الوكالات اضطرت إلى الاعتماد بصورة أكبر على شركات القطاع الخاص لتوفير السلع والخدمات التي كانت تنفذها سابقاً من خلال موظفيها.
وقالت جيسيكا تيليبمان، العميدة المشاركة لدراسات قانون المشتريات الحكومية في كلية الحقوق بجامعة جورج واشنطن، إن الحكومة تظل لديها احتياجات تشغيلية يتعين تلبيتها، بصرف النظر عن حجم التخفيضات التي تطال القوى العاملة أو البرامج الحكومية.
ويعكس ذلك أحد التحديات التي تواجه سياسات خفض الإنفاق، إذ قد يؤدي تقليص الوظائف الحكومية إلى نقل بعض التكاليف إلى عقود مع القطاع الخاص، من دون تحقيق انخفاض مماثل في إجمالي النفقات.
كانت إدارة الكفاءة الحكومية، التي قادها الملياردير إيلون ماسك، قد تعهدت في البداية بخفض الإنفاق الفيدرالي بمقدار تريليوني دولار، لكن هذا الهدف خُفض عدة مرات خلال فترة عمل الإدارة، قبل حلها رسمياً في يوليو الماضي.
وفي أغسطس، كشف تقرير صادر عن مكتب مساءلة الحكومة الأميركية أن أجزاء كبيرة من الوفورات التي أعلنتها إدارة «دوج»، والبالغة 110 مليارات دولار، لم يكن بالإمكان التحقق منها بصورة مستقلة.
وتسلط هذه النتائج الضوء على الفجوة بين أهداف خفض الإنفاق المعلنة والتطور الفعلي للالتزامات المالية الحكومية، خصوصاً في القطاعات التي تحظى بأولوية سياسية وتمويلية لدى الإدارة الأميركية.