الدولار يفقد حصته للعملات المنافسة
البنوك ستمول شراء الذهب ببيع الدولار

في وقت تتزايد فيه الاضطرابات الجيوسياسية وتتراجع الثقة باستقرار النظام المالي العالمي، تعيد البنوك المركزية النظر في مكونات احتياطياتها الاستراتيجية.
وبينما لا يزال الدولار يحتفظ بمكانته كأهم عملة احتياط في العالم، فإن الذهب يواصل استعادة بريقه، مدعوماً بمخاوف التضخم وتصاعد النزاعات واتساع استخدام العقوبات المالية.
وتشير أحدث استطلاعات البنوك المركزية إلى أن المعدن الأصفر لم يعد مجرد أداة للتحوط، بل بات ركناً أساسياً في استراتيجية إدارة الاحتياطيات، في وقت تتزايد فيه التوقعات بتراجع تدريجي لحصة الدولار خلال السنوات المقبلة.
احتدمت المنافسة بين الذهب والدولار، ليست كأصلين بل كزعيمين على عرش الملاذات الآمنة. وبعدما كان يُنظر إلى الذهب باعتباره الملاذ الأكثر أماناً وتفضيلاً، جاءت حرب إيران لتعيد صياغة المعادلة، لتسحب بعض البريق من أسفل أونصات الذهب لصالح الدولار.
وأشعلت الحرب أسعار النفط مع إغلاق مضيق هرمز، المسؤول عن عبور نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، ومعه ارتفع سعر البرميل، فعاد التضخم للظهور، ما دفع البنوك المركزية حول العالم إلى إعادة رسم مسار السياسة النقدية من تيسيرية تهدف إلى تحقيق النمو، إلى أخرى متشددة تكافح التضخم.
أجرى المجلس العالمي للذهب استطلاعاً لاحتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية لعام 2026، في الفترة ما بين 5 فبراير و19 مايو، والذي خلص إلى أنه تماشياً مع نتائج الدراسات الاستقصائية السابقة، لا تزال البنوك المركزية متفائلة بشأن الذهب.
وتتوقع البنوك المركزية أن يشكل الذهب حصة متزايدة من محافظ احتياطياتها، ويعتقد 84% من المشاركين احتفاظ الذهب بحصة أعلى (بشكل معتدل أو كبير) من إجمالي الاحتياطيات خلال السنوات الخمس المقبلة، مقارنة بـ76% في العام الماضي.
كان المستجيبون أقل تفاؤلاً بشأن الدولار، فبينما يحافظ على مكانته كعملة الاحتياط العالمية المهيمنة، تُظهر بيانات صندوق النقد الدولي حول تكوين العملات في احتياطيات النقد الأجنبي الرسمية (COFER) أن حصته تشهد انخفاضاً تدريجياً.
يعتقد المستجيبون أن هذا الاتجاه سيستمر، حيث يتوقع 74% منهم أن تنخفض حصته خلال السنوات الخمس المقبلة، واتفقت ردود كل من الاقتصادات المتقدمة والناشئة والنامية على هذا الرأي.
ويرى محللون أن تراجع حصة الدولار لا يعكس فقدانه مكانته كعملة احتياط عالمية، بل يعكس اتجاهاً متزايداً لدى البنوك المركزية لتنويع الأصول الاحتياطية، بعد سنوات من استخدام العقوبات المالية والأصول المجمدة كأدوات ضغط جيوسياسي، وهو ما دفع عدداً متزايداً من الدول إلى البحث عن أصول لا ترتبط بالتزامات أي حكومة.
وإذا تحققت هذه التوقعات، فإن السنوات المقبلة قد تشهد انتقال جزء من الاحتياطيات العالمية من الأصول المقومة بالدولار إلى الذهب بصورة تدريجية، وهو تحول لا يهدد هيمنة الدولار مباشرة، لكنه قد يحد من وتيرة نمو الطلب العالمي عليه مقارنة بالعقود السابقة.
ويعتقد غالبية المشاركين في الاستطلاع (89%) أن احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية العالمية ستزداد خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة.
هذا العام، يتوقع 45% من المشاركين، وهو رقم قياسي، زيادة احتياطياتهم من الذهب خلال الفترة نفسها.
وأشار غالبية المشاركين المتبقين إلى أنهم لا يتوقعون أي تغيير، بينما يتوقع 1% منهم انخفاض احتياطيات مؤسساتهم من الذهب.
يُعتبر الذهب أداة للتحوط ضد المخاطر الجيوسياسية، وجزءاً من سياسة تنويع الاحتياطيات، من الأسباب الرئيسية لزيادة مخصصاته.
وتكتسب هذه المشتريات أهمية خاصة، لأنها تأتي بعد ثلاثة أعوام متتالية من تسجيل البنوك المركزية أحد أعلى معدلات شراء الذهب في التاريخ الحديث، ما يشير إلى أن الطلب الرسمي لم يعد استجابة مؤقتة للأزمات، بل أصبح جزءاً من استراتيجية طويلة الأجل لإعادة تشكيل الاحتياطيات العالمية.
يتوقع غالبية المشاركين في الاستطلاع (74%) انخفاضاً معتدلاً أو ملحوظاً في حيازات الدولار الأميركي ضمن الاحتياطيات العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة.
كما يعتقدون أن حصة العملات الأخرى، مثل اليورو واليوان الصيني، ستبقى ثابتة خلال الفترة نفسها، بينما ستزداد حيازات الذهب.
وأشار نصف المشاركين إلى أنهم سيمولون الشراء من خلال برنامج شراء محلي بالعملة المحلية، بينما أشار 38% منهم إلى أنهم سيمولونها من خلال بيع أصولهم الاحتياطية الحالية.
ويرى محللون أن صعود الذهب لا يعني بالضرورة تراجعاً حاداً للدولار، إذ لا تزال العملة الأميركية تمثل العمود الفقري للنظام المالي العالمي والتجارة الدولية.
لا يزال بنك إنجلترا الموقع الأكثر تفضيلاً لحفظ الأصول بين المشاركين في الاستطلاع بنسبة 57%، رغم استمرار البنوك المركزية في تنويع مواقع التخزين لديها.
لوحظ ارتفاع ملحوظ في تغييرات مواقع التخزين في استطلاع هذا العام، حيث أفاد 9% من المشاركين بزيادة سعة التخزين المحلية، و10% بتنويع مواقع التخزين الخارجية خلال الاثني عشر شهراً الماضية، مقارنة بـ 5% و2% على التوالي في استطلاع العام الماضي.
ينطبق هذا التوجه أيضاً على الخطط المستقبلية للتخزين، حيث أفاد 7% بزيادة سعة التخزين المحلية، و9% بتنويع مواقع التخزين الخارجية خلال الاثني عشر شهراً المقبلة.