السوق يترقب تفاصيل الاتفاق
عودة التدفقات التحدي الأكبر

فتحت أسعار النفط تعاملات اليوم على تقلبات لافتة، ومالت إلى الارتفاع تارةً وإلى الهبوط تارةً أخرى، وسط مخاوف إزاء عدم وجود تفاصيل كافية في الاتفاق المبدئي لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وإدراك أن استئناف الإمدادات عبر مضيق هرمز قد يستغرق وقتاً أطول مما كان متوقعاً.
ويراقب المستثمرون بحذر مدى سرعة استئناف منتجي النفط في الشرق الأوسط إنتاجهم وتصديرهم للنفط بعد الأضرار التي خلفتها الحرب، وما إذا كان سيتم إدخال المزيد من السفن إلى المنطقة، إذ إن السوق لا يتعامل مع الاتفاق كحدث سياسي بقدر ما تتعامل معه كسؤال: متى تعود إمدادات «هرمز» فعلياً؟
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس الاثنين: إن الولايات المتحدة وإيران وقعتا اتفاقاً أولياً لإنهاء الحرب، لكن سيجري الكشف عن تفاصيل الاتفاق لاحقاً، وقال البلدان إنه لم يتم التفاوض بعد على وقف دائم لإطلاق النار.
وقال محللو «بنك آي إن جي»: «أزاح العقدان جزءاً كبيراً من علاوة مخاطر الحرب التي تراكمت عليهما خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث أغلقت العقود الآجلة لخام برنت والخام الأميركي عند أدنى مستوياتها منذ الرابع من مارس».
ومنذ جلسة الخميس الماضي، فقد سعر البرميل ما يقرب من 13 دولاراً، أو ما يعادل نحو 14%، وذلك منذ الإعلان عن موافقة واشنطن وطهران على توقيع اتفاق السلام، إذ إن تراجع النفط لا يعني فقط انخفاض الأسعار، بل إعادة تسعير لتوقعات التضخم وبالتالي الفائدة الأميركية.
يرى محللون أنه رغم التفاؤل الذي أعقب الإعلان، لم تُكشف التفاصيل الكاملة للمذكرة، ولم يتم التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار.
وتفيد المؤشرات الأولية بأن الاتفاق سيؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز وتمديد وقف إطلاق النار 60 يوماً؛ ما يسمح للمفاوضين بمعالجة القضايا الشائكة، مثل: مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
قال كبير محللي السوق في «كيه سي إم تريد» تيم ووترر: «قد تكمن المشاكل في التفاصيل، وحتى تظهر تلك التفاصيل، ستتحلى السوق على الأرجح بضبط النفس فيما يتعلق بمواصلة خفض علاوة المخاطرة في أسواق الطاقة».
كما قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمس على «إكس» إن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران تمثل خطوة مهمة نحو وقف القتال، لكن الاتفاق النهائي على وقف دائم لإطلاق النار لم يتبلور بعد.
قال محلل السوق في منصة «آي جي» توني سيكامور في مذكرة للعملاء: «لا يزال طريق العودة إلى التدفقات الطبيعية للإمدادات بعيداً عن أن يكون سهلاً».
أضاف سيكامور: «حتى مع الاتفاق الحالي، لا يزال من غير الواضح مدى السرعة التي ستعود بها تدفقات الإمدادات إلى السوق لطبيعتها».
تابع سيكامور: «إزالة الألغام، واستعادة تغطية التأمين البحري الكاملة، وجعل السفن ومشغليها يشعرون بالثقة الكافية للعودة، سيستغرق وقتاً، وكذلك إعادة تشغيل الآبار المغلقة والبنية التحتية المتضررة في المنطقة».
قال نائب الرئيس الأول للتداول في شركة «بوك المالية» دينيس كيسلر في مذكرة للعملاء: «مع احتمال وصول كميات هائلة من إمدادات النفط، يبدو انخفاض الأسعار مبرراً، مع إعادة فتح المضيق المسؤول عن عبور 20% من إمدادات الطاقة».
وذكرت وكالة أنباء مهر الإيرانية شبه الرسمية أن مسودة الاتفاق تنص على إعادة فتح مضيق هرمز خلال 30 يوماً وفقاً للترتيبات الإيرانية، ومن المقرر إقامة حفل توقيع رسمي للاتفاق يوم الجمعة في جنيف.
كما خفضت إيران سعر البيع الرسمي لخامها الخفيف للمشترين الآسيويين إلى 7.15 دولار للبرميل فوق متوسط سعر عُمان/دبي لشهر يوليو، وفقاً لِما أعلنته شركة النفط الوطنية الإيرانية المملوكة للدولة أمس الاثنين، مقارنةً بعلاوة الشهر السابق البالغة 13 دولاراً للبرميل.
أكد رئيس قسم الأبحاث في شركة «سبارتا للسلع» نيل كروسبي: «سيكون من الصعب إعادة تشغيل سلاسل إمداد السفن بسلاسة في منطقة الخليج العربي».
كروسبي لفت أيضاً في مذكرة إلى أن بعض مالكي السفن سيظلون مترددين في إرسال سفنهم حتى يتلقوا رداً من شركات التأمين.
وخفضت شركة «سيشن» للاستشارات في قطاع الطاقة توقعاتها لمتوسط سعر خام برنت إلى 75 دولاراً و70 دولاراً للبرميل للربعين الثالث والرابع من 2026 على التوالي، مشيرةً إلى توقعاتها باستئناف حركة التجارة في مضيق هرمز وعودتها إلى وضعها الطبيعي.
قال محلل السوق لدى «آي جي» توني سيكامور: «في حين أن هذا قد يكون، بالطبع، مجرد أمل كاذب آخر، فإن رد فعل السوق كان سريعاً وقاطعاً».
وكتب سيكامور في مذكرة: «حتى مع انخفاض أسعار النفط، ما دام السعر قادراً على البقاء فوق مستوى 80 دولاراً، فإن المخاطر تميل بقوة إلى دفع الأسعار نحو الارتفاع».
وأضاف: «قد تكون الأنباء الإيجابية بشأن صفقة سلام محتملة ضغطت على الأسعار، لكن إن لم يتم تأكيد تلك الأخبار فمن المرجح أن تعود الأسعار إلى الارتفاع حتى إشعار آخر، إذ إن السوق مل الحديث عن اتفاق سلام تهدده خروقات كبيرة».
يرى محللون أن السوق لا يسعّر اتفاقاً سياسياً، بل قدرته على تحويل النفط من ملف أزمة إلى ملف تدفق طبيعي، وبين اتفاق لم يكتمل بعد، ونفط لم يستعد تدفقه، تبقي الأسواق في منطقة رمادية… حيث لا يقود التفاؤل وحده الاتجاه، ولا يكفي الخوف لتحديد القاع.