logo
مقالات الرأي

من الضجيج إلى الاختراق.. 3 قوى رئيسة ستعيد تشكيل أمن الشركات في 2026

من الضجيج إلى الاختراق.. 3 قوى رئيسة ستعيد تشكيل أمن الشركات في 2026
أول حرفين من عبارة «الذكاء الاصطناعي» ضمن مؤتمر عالمي في مدينة شنغهاي الصينية يوم 6 يوليو 2023.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

مع دخولنا عام 2026، بدأت عدة اتجاهات تقنية تشق طريقها إلى الواقع اليومي لقطاع الأمن والتي كانت حتى وقت قريب حكراً على مختبرات البحث والعروض الافتتاحية في المؤتمرات.

الجديد اليوم ليس فكرة الذكاء الاصطناعي بحد ذاتها، بل بروز الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء (Agentic AI): أنظمة ذكية قادرة على اتخاذ إجراءات ذاتية عبر مسارات العمل التشغيلية. لم نعد نتساءل عمّا قد تفعله هذه الأنظمة يوماً ما، بل نشهد بالفعل ما تنفذه على أرض الواقع.

في عام 2026، ستقود 3 تقنيات محورية هذا التحول: الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء، والتوائم الرقمية، والأجهزة القابلة للارتداء المعززة بالواقع المعزز (AR) هذه التقنيات تتجاوز مجرد القوة الخام لتؤسس شبكات أمنية ذكية حقاً، مترابطة وغامرة.

1.من دورة التهويل إلى مسارات العمل التشغيلية

برز الذكاء الاصطناعي الوكيل في بداياته من خلال قدراته في مجالات مثل توليد الشيفرة البرمجية، لكنه اليوم يتوسع إلى ما هو أبعد من البرمجة، ليقوم بتنسيق مسارات العمل التشغيلية عبر أنظمة الأمن المختلفة. التحول الجوهري في 2026 يتمثل في الانتقال من استعراض القدرات إلى وكلاء موجّهين بالمهام، مدمجين مباشرة في التدفقات التشغيلية.

فبدلاً من تجارب إثبات المفهوم المنفصلة، نرى وكلاء ينسقون العمل بين الأنظمة: يستقبلون بيانات الفيديو، ويربطون سجلات الدخول، ويكشفون الانحرافات، ثم يطلقون إجراءات متابعة... وكل ذلك من دون تدخل بشري للتنقل بين واجهات متباينة.

تشمل الأمثلة العملية وكلاء تحقيق ذاتيين لا يكتفون باستلام الإنذار، بل يجمعون آخر 30 دقيقة من الأدلة متعددة الأنماط (الفيديو، وأنظمة التحكم بالدخول، وقياسات الحساسات)، ثم يقترحون ويباشرون إجراءات تخفيف فورية ليوافق عليها المشغّل. وتتجلى القيمة هنا في بُعدين أساسيين: السرعة (تقليص متوسط زمن الوصول إلى الرؤية التحليلية)، والطاقة الاستيعابية (تحرير وقت المشغّلين للتركيز على اتخاذ القرار بدل جمع البيانات).

وينعكس هذا الزخم في أنماط الاستثمار العالمية. فوفقاً لتوقعات حديثة في القطاع، يُتوقع أن يهيمن الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء على توسّع ميزانيات تقنية المعلومات خلال السنوات الخمس المقبلة، بما يزيد على 26% من الإنفاق العالمي على تقنية المعلومات، متجاوزاً 1.3 تريليون دولار أميركي بحلول عام 2029.

على المؤسسات أن تتوقف عن سؤال: «ماذا يمكن أن يفعل الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء؟» وأن تبدأ بتحديد مسارات العمل الأمنية القابلة للتكرار التي ترغب في أتمتتها، مثل فرز الحوادث، وتحسين دوريات الحراسة، وتجهيز الأدلة، ثم قياس أداء الوكلاء وفق مؤشرات أداء رئيسية واضحة. الفائزون في 2026 سيكونون المنصات التي تتيح واجهات برمجية آمنة وقابلة للتدقيق للوكلاء، والموردين الذين يدمجونها ضمن سيناريوهات تشغيلية شاملة من البداية إلى النهاية.

2. التوائم الرقمية

تصل التوائم الرقمية، وهي نماذج افتراضية عالية الدقة تظل متزامنة مع الأنظمة الواقعية، إلى مرحلة من النضج العملي الحقيقي. الفكرة ليست جديدة؛ فمنذ سنوات تستخدم قطاعات مثل التصنيع واللوجستيات التوائم الرقمية لمراقبة الأصول والبيئات. الجديد اليوم هو مستوى الدقة والحجم الممكن تحقيقهما في مجال الأمن.

تستفيد مؤسسات مثل إنفيديا من التوائم الرقمية لمراكز البيانات، من خلال دمج الكاميرات، وأجهزة إنذار الحريق، وأنظمة التحكم بالدخول، والحساسات البيئية، لتوفير رؤية موحدة وفورية للعمليات. لم نعد نتحدث عن نسخ ثابتة، بل عن بيئات تفاعلية يمكن فيها اختبار سلوك الأنظمة وتحسينه بأمان. وتتجاوز قيمة التوائم الرقمية حدود العرض والمحاكاة، لتُمكّن المؤسسات من المراقبة والتحسين والإدارة النشطة للحالة المرغوبة لعدة أنظمة فرعية في الزمن الحقيقي.

تخيّل تنفيذ سيناريو افتراضي لتدريب على الإخلاء في حال نشوب حريق، يُظهر تدفق المشاة عند إغلاق ممر معيّن، أو محاكاة استراتيجيات الإغلاق التي تحافظ على مسارات الخروج مع احتواء التهديد. هذه ليست تمارين نظرية، بل مدخلات مباشرة لإجراءات التشغيل القياسية (SOPs)، وقرارات التصميم، وتحديد مواقع الاتصالات المرنة أو الحوسبة الطرفية. وبالنسبة للمنشآت المعقدة كالمطارات، والموانئ، والأبراج متعددة المستأجرين، يقلل التوأم الرقمي الموحّد من انحراف الإعدادات، ويُسرّع إعادة البناء الجنائي للأحداث، ويدعم الصيانة التنبؤية للأجهزة الحيوية.

وعلى المدى القريب، من المتوقع أن يعيد الانتشار الواسع للتوائم الرقمية تشكيل مقاربة قطاع الأمن لإدارة المخاطر والتخطيط التشغيلي. فمع رؤية موحدة وفورية للبيئات المعقدة، تتيح التوائم الرقمية اتخاذ قرارات استباقية، وتوقع التهديدات، وتحسين توزيع الموارد، وصقل إجراءات التشغيل القياسية باستمرار. وبمرور الوقت، سينتقل القطاع من الاستجابة التفاعلية للحوادث إلى استراتيجيات أمنية تنبؤية ووقائية، تُوجَّه فيها الاستثمارات في التدريب والبنية التحتية والتقنية بناءً على نتائج المحاكاة لا على الأحداث التاريخية فقط.

3. الأجهزة القابلة للارتداء

مرّ الواقع المعزز والأجهزة القابلة للارتداء بتاريخ متقلب، لكن عودتهما في عام 2026 ستكون مختلفة والذكاء الاصطناعي هو السبب. فهو يحوّل الأجهزة القابلة للارتداء من أدوات تسجيل بسيطة إلى مرافق ذكية، ويرتقي بالواقع المعزز من طبقة عرض بصرية إلى طبقة إرشاد آنية واعية بالسياق. وهكذا تتحول أدوات الخطوط الأمامية من أجهزة سلبية إلى أدوات استباقية ترى وتستمع وتفسر البيئة المحيطة، وتقدم دعماً ورؤى في الوقت المناسب عبر واجهات صوتية أو بصرية أو هجينة.

وينعكس الزخم وراء الواقع المعزز أيضاً في السوق؛ إذ من المتوقع أن يقفز حجم هذا القطاع عالمياً من 35.8 مليار دولار في 2024 إلى 233.3 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 37%. واليوم، تشكل البرمجيات والخدمات الحصة الأكبر من إيرادات الواقع المعزز، ما يشير إلى أن المؤسسات باتت توظفه بشكل متزايد في التطبيقات التشغيلية مثل التدريب، والمساعدة عن بُعد، والمحاكاة، ودعم القرار في الزمن الحقيقي.

والأهم أن هذه الأنظمة تتفاعل باللغة الطبيعية. فيمكن للحارس أن يسأل: «متى جرى تفقد هذه المنطقة آخر مرة؟» ليحصل على إجابة موجزة مدعومة بالأدلة، أو أن يطلب إعادة تشغيل آخر اقتراب مريب مع تمييزه للمراجعة لاحقاً. وبهذا، تنتقل الأجهزة القابلة للارتداء من كونها مسجلات سلبية إلى أدوات دعم قرار فعّالة، تعزز الوعي الظرفي مع إبقاء اليدين والانتباه متاحين.

ورغم أن الانتشار الواسع قد يستغرق بضع سنوات أخرى، فإن المسار واضح: مستقبل العمل الأمني سيكون أكثر اعتماداً على الأجهزة القابلة للارتداء من نظارات ذكية، وخوذات، أو أجهزة معصمية، ومدعوماً بأنظمة ذكية حوارية تقدم الرؤى ودعم القرار في الزمن الحقيقي.

الخلاصة: الدمج، والمحاكاة، والتعزيز

القاسم المشترك بين هذه الاتجاهات واضح: الذكاء الاصطناعي هو المُمكّن الذي يجعل التقنيات التي طالها التهويل سابقاً ذات قيمة تشغيلية حقيقية.

وبالنسبة لمديري أمن المعلومات، ومديري المرافق، وقادة العمليات، فإن خارطة الطريق العملية لعام 2026 بسيطة واستراتيجية: إعطاء الأولوية للدمج (واجهات برمجية مفتوحة وقابلة للتدقيق)، واستكشاف قدرات المحاكاة (توائم رقمية مرتبطة بإجراءات التشغيل القياسية)، وتجربة التعزيز عبر الأجهزة القابلة للارتداء حيثما يساهم في تقليص زمن اتخاذ القرار. ويُقاس النجاح بمؤشرات تشغيلية ملموسة مثل زمن الاستجابة، وخفض الإنذارات الكاذبة، ومستوى الثقة في القرار، لا بحداثة التقنية وحدها.

بعد سنوات من الحماسة والتجريب، ندخل اليوم حقبة جديدة... حقبة لم تعد فيها التقنيات الناشئة مجرّد نماذج أولية، بل شركاء حقيقيين.

لقد انتقلنا فعلياً من الوعد إلى التطبيق.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف