
تجاوزت «لوريال»، في 15 سبتمبر، شركة «إل في إم إتش» لتصبح الشركة الأعلى قيمة سوقية بين الشركات المدرجة في فرنسا. وبلغت قيمة «لوريال» نحو 203 مليارات يورو، مقابل نحو 201 مليار يورو لشركة «إل في إم إتش».
إنه تحول لافت في مشهد السوق الفرنسي.
تمتلك «إل في إم إتش» علامات فاخرة، مثل: «لويس فويتون» و«ديور» و«تيفاني»، إلى جانب عشرات العلامات الأخرى. وقبل بضع سنوات فقط، كانت الشركة الأعلى قيمة في أوروبا. أما اليوم، فتتقدم مجموعة متخصصة في مستحضرات التجميل على عملاق السلع الفاخرة في سباق القيمة السوقية.
ويمكن تفسير هذا التحول جزئياً بفكرة قديمة تحمل اسماً لافتاً: ظاهرة أحمر الشفاه.
تصف ظاهرة أحمر الشفاه سلوكاً استهلاكياً بسيطاً. فعندما تتراجع الثقة بالاقتصاد، لا يتوقف الناس بالضرورة عن تدليل أنفسهم، بل يختارون ببساطة مشتريات أقل كلفة. فأحمر شفاه بسعر 50 يورو أو عطر بـ150 يورو أسهل تبريراً بكثير من حقيبة يد تكلف عدة آلاف من اليورو.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن تباطؤ قطاع السلع الفاخرة بدأ يطال بصورة متزايدة الشريحة الطامحة للرفاهية. وهؤلاء مستهلكون ميسورو الحال نسبياً، لكنهم ليسوا أثرياء إلى درجة تمكنهم من تجاهل التضخم، وارتفاع تكاليف الاقتراض، أو تراجع قيمة العقارات.
وتقدم الصين مثالاً واضحاً على هذا التحول. فمنتجات العناية بالبشرة الفاخرة، ومستحضرات التجميل، والعطور تستحوذ على حصة متزايدة من الإنفاق، في حين لا يزال الطلب على المنتجات الجلدية الفاخرة باهظة الثمن أكثر ضعفاً بكثير.
وتقف «لوريال» في موقع ملائم بين السوق الواسع والفئة الفاخرة. فهي تمتلك علامات تجميل واسعة الانتشار، إلى جانب أسماء فاخرة، مثل: «لانكوم» و«إيف سان لوران بيوتي». ونمت إيرادات قطاع السلع الفاخرة لديها بنسبة 5.1% في النصف الأول من عام 2026، مع نمو من خانة العشرات في الصين.
فالتجميل لا يزال جزءاً من سوق الرفاهية، لكن الوصول إليه أقل كلفة.
لا يقتصر الضعف على إل في إم إتش. فشركة «هيرميس» تتمتع بواحدة من أقوى العلامات التجارية في عالم السلع الفاخرة. ولا تزال حقائب بيركين الشهيرة صعبة المنال، وقد يصل سعر الواحدة منها إلى تكلفة سيارة صغيرة. لكن سهم الشركة تراجع الآن بنحو 50% عن ذروته.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الشركات نفسها تنهار. فقد واصلت إيرادات «إل في إم إتش» الذاتية نموها بنسبة 2% في النصف الأول من العام، فيما عاد قطاع الأزياء والمنتجات الجلدية إلى تسجيل نمو طفيف في الربع الثاني.
ما يشكك فيه السوق هو مدى سرعة عودة قطاع السلع الفاخرة إلى معدلات نموه السابقة، ولا سيما بعد سنوات من الزيادات الحادة في الأسعار.
وهنا يكمن فارق مهم: قد تظل العلامة التجارية قوية وجذابة، بينما يتراجع سعر سهمها لأن توقعات المستثمرين بشأن نموها كانت مرتفعة أكثر من اللازم.
بالنسبة إلى المستثمرين، يحتاج قطاع السلع الفاخرة بصورة متزايدة إلى تقسيمه بحسب شرائح العملاء المختلفة.
فالعلامات التي تخدم الأثرياء للغاية قد تكون أكثر قدرة على الصمود، لأن عملاءها أقل حساسية لدورات الاقتصاد. كما يمكن أن تتصرف المجوهرات بصورة مختلفة عن الأزياء، في حين تستفيد منتجات التجميل من انخفاض الأسعار وتكرار عمليات الشراء.
وتبدو إشارات التحذير واضحة: ثقة المستهلك الصيني، ونمو مبيعات السلع الفاخرة، وزيادات الأسعار، ومدى عودة المشترين من الشريحة الطامحة للرفاهية.
ومن شأن استقرار سوق العقارات الصيني أن يقدم دعماً مهماً. أما استمرار الضعف، فسيبقي الضغوط قائمة على الشركات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق الاختياري للطبقة المتوسطة.
لكن قطاع التجميل ليس بمنأى عن المخاطر أيضاً. فقد يتجه المستهلكون إلى خيارات أقل تكلفة، والمنافسة شديدة، كما أن الأداء الأقوى الذي حققته «لوريال» أصبح منعكساً بالفعل في توقعات المستثمرين.
كان الاستثمار في السلع الفاخرة يبدو في السابق بسيطاً إلى حد جذاب: علامات تجارية قوية، وعملاء أثرياء، وأسعار آخذة في الارتفاع، وهوامش ربح مغرية. لكن السنوات الثلاث الماضية جعلت هذه الصورة أكثر تعقيداً.
وتساعد ظاهرة أحمر الشفاه على تفسير السبب.
فالمستهلكون لم يتوقفوا عن الرغبة في اقتناء الأشياء الجميلة، لكنهم أصبحوا أكثر انتقائية في تحديد أيٍّ من هذه الأشياء يستحق السعر المدفوع. فالعطر يستطيع الصمود أمام ميزانية منزلية ضاغطة بسهولة أكبر من حقيبة يد يبلغ سعرها خمسة أرقام.
ولهذا السبب، فإن تجاوز «لوريال» لشركة «إل في إم إتش» يتجاوز مجرد التقدم عليها في ترتيب الشركات الأعلى قيمة في باريس. فهو يكشف أن القدرة على تحمل التكلفة وتكرار الشراء باتا عاملين مهمين حتى داخل الإنفاق على المنتجات الراقية.
قد تظل حقيبة «بيركين» صعبة المنال، لكن في سوق السلع الفاخرة اليوم، لم تعد الندرة وحدها كافية لدعم أداء السهم والمحافظة على تقييمات مرتفعة.