
كشفت شركة «أنثروبيك» مؤخراً عن نظام «كلود ميثوس بريفيو»، وهو نموذج تقول الشركة إنه نجح في اكتشاف آلاف الثغرات الأمنية غير المعروفة (ثغرات يوم الصفر) في مجموعة من الأنظمة البرمجية الرئيسية، إلى جانب قدرته على تصميم مسارات عملية لاستغلالها. وأطلقت الشركة نسخة تجريبية مقيدة من النظام دون أن توفره على نطاق واسع، في حين تسارع الجهات التنظيمية والمؤسسات المالية الكبرى لتقييم مدى قدراته عملياً.
وعلى الرغم من التقديرات الأولية الواعدة حول مستوى التأثير المتوقع للنموذج الذي لا يزال قيد الاختبار، إلّا أن أهميته باتت واضحة، فالذكاء الاصطناعي يعزز قدرات منفذي الهجمات السيبرانية في مختلف مراحل الهجوم الإلكتروني.
يشكل نموذج «ميثوس» أحد مصادر القلق ضمن مرحلة تشهد تحولاً واسعاً. ويوضّح تقرير «مايكروسوفت» للدفاع الرقمي لعام 2025 أن الجهات التي تقوم بهجمات إلكترونية تستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدراتها في التصيّد الاحتيالي، وإنشاء البرمجيات الخبيثة، واكتشاف الثغرات الأمنية. وتظهر هذه الإمكانات الهجومية الجديدة في وقتٍ تتسع فيه رقعة الهجمات الرقمية؛ فمع توسع الشركات في اعتماد التقنيات الرقمية في عملياتها، وزيادة مساعيها لربط أصولها وتعزيز شبكة شركائها، تزداد مخاطر التعطل التشغيلي.
وفي هذا السياق، لم تعد المرونة الرقمية مقتصرة على اختصاصات الدعم التقني، بل أضحت تمثل قدرة المنشأة على مواصلة عملياتها عند تراجع كفاءة الأنظمة الرقمية الحيوية أو عزلها أو توقفها عن العمل.
يُعد قطاع الخدمات اللوجستية من أكثر القطاعات تأثراً بهذه التحديات، فالخدمات اللوجستية تشكل حلقة الوصل بين التنسيق الرقمي والحركة المادية للسلع على أرض الواقع. وأي خلل في أحد الأنظمة سيؤدي إلى تأخير في عمليات الشحن أو التخليص الجمركي، أو تعطل في مسارات النقل، أو اختناق في المستودعات، أو مشكلة في المدفوعات والتسوية.
ووفقاً لوكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني، شكّل قطاع النقل 7.5% من إجمالي الحوادث التي رصدتها الوكالة في عام 2025، حيث مثّلت الخدمات اللوجستية 20.8% من حوادث قطاع النقل. وفي المقابل، صنّفت مايكروسوفت أنظمة النقل ضمن القطاعات العشرة الأكثر تأثراً بالتهديدات السيبرانية على مستوى العالم خلال النصف الأول من عام 2025. ويُعزى ذلك إلى اعتماد الخدمات اللوجستية الرقمية، لا سيما أن تأثير الأعطال الرقمية في هذا المجال سرعان ما يظهر جلياً على أرض الواقع.
تتضح أهمية هذه الحقيقة في منطقة الشرق الأوسط، التي تفتقر الأسس المتينة في هذا المجال، لأن دورها الاقتصادي يعتمد إلى درجة كبيرة على أدوات التواصل الآمنة والموثوقة. ووفقاً لتصنيف «مايكروسوفت» خلال النصف الأول من عام 2025، جاءت دولة الإمارات في المرتبة التاسعة عالمياً؛ والمملكة العربية السعودية المرتبة الثالثة والعشرين عالمياً، من حيث وتيرة تأثر العملاء بالأنشطة السيبرانية. وفي وقت سابق من هذا العام، أعلنت دولة الإمارات إحباط هجمات سيبرانية منظمة استهدفت البنية التحتية الرقمية والقطاعات الحيوية، بما فيها برمجيات الفدية، والتصيد الاحتيالي، وأدوات هجومية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
كما شهدت المنطقة مدى سرعة امتداد الاضطرابات الرقمية لتؤثر على العمليات المادية، فقد أفادت التقارير في يونيو 2025 أن تصاعد التشويش الإلكتروني حول مضيق هرمز أثّر على قدرة السفن على إرسال بيانات دقيقة عن مواقعها، ما أدى إلى تحديات تشغيلية وملاحية في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وبالنسبة لمنطقة يقوم اقتصادها على الموانئ والممرات التجارية والنقل الجوي والتجارة المرتبطة بالطاقة، يمكن أن يتحول الاضطراب الرقمي سريعاً إلى اضطراب مادي، وإلى اختبار حقيقي للموثوقية والثقة.
لكن المسألة الأبرز تتجاوز البحث في إمكانية منع الهجمات السيبرانية، إلى النتائج المترتبة عندما يكون الحل التقني الأكثر أماناً هو إيقاف الأنظمة عن العمل. ولا تزال العديد من الشركات تفتقر إلى الجاهزية الكافية حتى على مستوى التخطيط الرسمي؛ فوفقاً لاستطلاع خروقات الأمن السيبراني لعام 2025 الصادر عن الحكومة البريطانية، أفادت 23% فقط من الشركات بامتلاكها خطة رسمية للاستجابة للحوادث، بينما لم تتجاوز نسبة الشركات التي تملك خطة لاستمرارية الأعمال تغطي الأمن السيبراني حاجز الـ 32%. غير أن مكمن الضعف الأكثر عمقاً لا يقتصر على مجرد غياب الخطة، بل يتمثل في العجز عن ترجمة الاستجابة السيبرانية إلى واقع ملموس في قطاع الأعمال.
تجسد الحادثة السيبرانية التي تعرضت لها شركة «جاغوار لاند روفر» عام 2025 هذا الأمر بوضوح، حيث أوقفت الشركة أنظمتها بشكل استباقي بعد الحادثة، ما أسفر عن اضطرابات حادة في عمليات البيع بالتجزئة والإنتاج. وقدّر مركز الرصد السيبراني لاحقاً الخسائر المالية لهذه الحادثة في المملكة المتحدة بنحو 1.9 مليار جنيه إسترليني، في انعكاسات امتدت لتطال أكثر من 5,000 مؤسسة جراء التداعيات التي واجهها الموردون والشركات ذات الصلة. ولا يكمن الدرس المستفاد هنا في لأن شركة جاغوار لاند روفر اتخذت بالضرورة قراراً تقنياً خاطئاً، بل على العكس تماماً؛ فقد يكون إيقاف تشغيل الأنظمة هو القرار السيبراني الحكيم. لكن هذه الحالة تُظهر تبعات الاستجابة السليمة تقنياً في تكبيد الشركات تكاليف باهظة عندما لا يتم تصميم الأنظمة الرقمية الحيوية، وحوكمتها، واختبارها في إطار استراتيجية مرونة شاملة.
لهذا السبب، تبرز الأهمية البالغة لتبني نهج للمرونة الرقمية في قطاع الأعمال. ويتعين على كل رائد أعمال أن يكون قادراً على الإجابة عن سؤالين جوهريين في هذا الإطار؛ يتمحور الأول حول إدراك تأثير خطة الاستجابة السيبرانية للشركة على الأنظمة الرقمية التي يعتمد عليها فريق عمله، بما في ذلك الحالات التي تتطلب إيقاف تشغيل هذه الأنظمة أو عزلها أو فصلها. أما الثاني فيركز على تحديد أفضل نمط تشغيل بديل يمكن للشركة اعتماده في حال عدم توفر أحد هذه الأنظمة، بالإضافة إلى التكلفة المترتبة على ذلك من حيث القدرة الاستيعابية، والخدمة، والتأخير، والأرباح. وبعبارة أخرى، ما هو الحد الأدنى المقبول للأعمال في الشركة، أو الحد الأدنى لسلسلة التوريد، في ظل الظروف الرقمية المتدهورة؟ وما الذي يمكن إنجازه يدوياً؟ وما الذي يمكن أن يستمر في بيئة أعمال مجزأة؟ وما هي الأنشطة التي تتوقف فوراً؟
ولا ينبغي لهذه الأسئلة أن تظل حبيسة الوثائق التقنية، بل أن تكون في صلب العمل الإداري والتنفيذي؛ فهي تتجاوز الجانب التشغيلي لتقدم خيارات حوكمة مهمة. وبناء على ذلك، لا يمكن لمسؤول أمن المعلومات أن ينفرد بقرارات إيقاف تشغيل الأنظمة، كما لا يمكن لقادة الأعمال الإصرار على المطالبة بضرورة بقاء جميع الأنظمة متاحة. بل عليهم المشاركة في تحديد المعايير المهمة، مثل مدة إيقاف التشغيل المسموح بها، ونسبة خسارة القدرة الاستيعابية، وتراجع مستوى الخدمة، والقيمة المضافة لتسريع وتيرة التعافي والاستجابة.
لطالما أدركت القطاعات الحساسة أن المرونة لا تقتصر على منع حدوث الهجمات السيبرانية، بل تكمن في ضمان عدم تحول أسوئها إلى كارثة تجارية. وهذا تماماً ما تؤكده منهجية الهندسة السيبرانية المعتمدة لدى وزارة الطاقة الأميركية، والتي تحث المؤسسات على تصميم أنظمتها لمواجهة التداعيات الأكثر خطورة في المراحل الأولى. وفي السياق ذاته، تضيف نظرية المؤسسات عالية الموثوقية بعداً مكملاً يتضمن التركيز على مواجهة احتمالية الفشل، والاهتمام بالعمليات التشغيلية، وبناء القدرات اللازمة للتعافي السريع تحت وطأة الأزمات والضغوط. ويتعين على مؤسسات الخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد تبني المنهجية ذاتها من خلال بناء أنماط تشغيلية بديلة عند تراجع كفاءة الأنظمة، وتطوير خطط احتياطية يدوية، وإنشاء عمليات تشغيلية مجزأة ومعزولة تضمن تدفق الأعمال.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم الدعم في الجانب الدفاعي أيضاً. فإلى جانب حماية الشبكات، يمكن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي المحلية الموثوقة رسم خرائط دقيقة للارتباطات والاعتمادات البينية للأنظمة، واختبار سيناريوهات ومسارات العمل بدقة، فضلاً عن دعم فرق العمل عند تعطل الأنظمة شديدة الترابط وتوقفها عن العمل. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لن تكون المرونة الرقمية حكراً على الشركات التي تمتلك القدرة على منع الاختراقات، بل ستكون من نصيب المؤسسات التي تنجح في ضمان استمرارية العمل عند تعطل بعض الأنظمة الرقمية.