
حين تتحول الممرات الدولية إلى منصات للجباية، لا يعود فرض الرسوم على «مضيق هرمز» مجرد شأن مالي عابر، بل يطرح تساؤلاً جوهرياً حول مصير مبدأ «حرية الملاحة» الذي قامت عليه التجارة الحديثة. وهنا نجد أنفسنا أمام معضلة ليست في قيمة «الرسم» بحد ذاته، بل في السابقة التي قد يؤسس لها الصمت الدولي؛ وهي أن من يملك «موقع الاختناق» يملك حق إخضاع التجارة العالمية لمنطق القوة، وإعادة تسعير المرور بالإكراه.
إن القراءة المتأنية لمكانة «مضيق هرمز» تؤكد أنه ليس ممراً هامشياً، بل هو الشريان الأهم للاقتصاد العالمي؛ إذ تشير أحدث البيانات الاستشرافية لعام 2025 إلى عبور نحو 21 مليون برميل يومياً من النفط ومنتجاته، ما يمثل قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، كما يتدفق عبره أكثر من 20% من إجمالي تجارة الغاز الطبيعي المسال. ولا تقف أهمية المضيق عند الطاقة، فهو المعبر الرئيسي لحركة الحاويات وإعادة التصدير التي ترتكز عليها مراكز لوجستية عالمية كبرى في دولة الإمارات، مما يجعل أي تهديد له بمثابة ارتداد يضرب سلاسل الإمداد العالمية في مقتل.
ومن هنا، يبرز تساؤل استراتيجي نضعه أمام المهتمين: ماذا لو كان الرد الخليجي يتجاوز الاحتجاج التقليدي ليصل إلى خيار «المقاطعة السيادية» للمرور والتحول الكلي نحو المنافذ البديلة؟ إن هذا الطرح لا يعني وقف البيع، بل هو تفكير بصوت عالٍ في إمكانية إعادة توزيع مسؤولية المرور ومخاطره على من استفاد طويلًا من استقرار هذا الشريان، ثم اختار «الحياد السلبي» حين بدأ العبث بقواعده.
وعلى الرغم من وجود بدائل جزئية (كخط الفجيرة وخط الشرق–الغرب)، إلا أنها بحسب تقارير وكالة الطاقة الدولية (IEA) لعام 2025، لا تستوعب سوى 5.5 مليون برميل يومياً. وهذا الفارق الضخم بين «السعة المتاحة» و«التدفق الفعلي» (21 مليوناً) يعني أن أي محاولة للالتفاف ستخلق «عنق زجاجة» جديداً يرفع كلف التأمين والتشغيل، وهو واقع يجب أن يعيه العالم قبل فوات الأوان.
إن ما نخشاه خلف هذا الصمت الدولي هو نذير بانهيار «النظام المالي العالمي» كما عرفناه؛ فغياب الحسم يمهد لنشوء «أسواق طاقة موازية». وفي هذا السيناريو، قد تلجأ قوى كبرى لتأمين احتياجاتها عبر صفقات سياسية تفضيلية بعيداً عن منطق السوق العالمي. هذا التحول لن يضعف عدالة التنافسية الدولية فحسب، بل سيهز استقرار نظام «البترودولار»، ويدفع بالعالم نحو انقسامات حادة تعتمد «الولاءات السياسية» بدلاً من «قوانين السوق».
وفي خضم هذا التحول، لن تبقى الأزمة حبيسة محطات الطاقة، بل ستطرق أبواب البيوت وتصل فاتورتها إلى «رغيف الخبز»؛ إذ تشير تقديرات منظمة «الفاو» لعام 2026 إلى أن اضطراب تدفق الغاز قد يرفع أسعار الأسمدة بنسبة تفوق 20%، مما يضع الأمن الغذائي العالمي في مهب الريح.
أما القوى الآسيوية الكبرى، فهي شريك معني بهذا الاستقرار أكثر من غيره، ومن غير المنطقي أن تكتفي بموقع المتفرج بينما يهدد الابتزاز ممر نموها الصناعي. إن الدفاع عن هرمز ليس مسؤولية «المنتج» وحده، بل هو ضرورة دولية مشتركة لحماية الاقتصاد العالمي من التفتت.
الخلاصة، أن الطرح الذي نسوقه هنا ليس إعلاناً للخصومة، بل هو رفض لأن يبقى المنتج وحده يدفع ثمن الصمت الدولي. فإذا تحولت الجغرافيا إلى أداة جباية، فمن الطبيعي أن يتحول السوق إلى ساحة تذكير بالكلفة الحقيقية لهذا العبث.
إن تحويل الجغرافيا إلى جباية هو عودة لمنطق «القرصنة ببدلة سياسية»، والرد عليه لا يكون بالدفع الصامت، بل بجعل الصمت أغلى كلفة من المواجهة.