logo
مقالات الرأي

الأسواق لا تتداول على السلام مع إيران.. بل على «تأجيل الكارثة»

الأسواق لا تتداول على السلام مع إيران.. بل على «تأجيل الكارثة»
سفن تجارية في مياه الخليج العربي قرب مضيق هرمز يوم 11 مارس 2026المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

الرسائل المتضاربة بين واشنطن وطهران لم تُنتج حتى الآن «مساراً دبلوماسياً» بقدر ما أنتجت إعادة تسعير سريعة في الأسواق لاحتمال الضربة التالية. فما رأيناه مع بداية الأسبوع الجاري لم يكن «تصويتاً على اتفاق»، بل خصم فوري لعلاوة الخطر التي تراكمت مع احتمال استهداف البنية التحتية الإيرانية والطاقة والملاحة في مضيق هرمز

التصريح مقابل النفي: ساعة واحدة غيّرت كل شيء

حين أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى وجود «محادثات مثمرة» و«نقاط اتفاق كبيرة»، وقال إنه سيؤجل الضربات على منشآت الطاقة والكهرباء الإيرانية خمسة أيام، تلقّت الأسواق الرسالة بالطريقة التي تتقنها دائماً: ليس عبر التحقق من صدقية السياسة، بل عبر تسعير الفارق بين «السيناريو الأسوأ» و«السيناريو الأقل سوءاً».

أخبار ذات صلة

الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لدى نزوله من طائرة الرئاسة «إير فورس ون» لحظة وصوله إلى ويست بالم بيتش، فلوريدا، الولايات المتحدة، 20 مارس 2026.

تصريحات ترامب بشأن «محادثات مثمرة» مع طهران تنعش الأسهم وتهوي بالنفط

لذلك هبط النفط بعنف، وارتفعت الأسهم، وتراجع الدولار، وانخفضت عوائد السندات. لكن في اللحظة ذاتها تقريباً، كانت طهران -عبر مسؤولين ووسائل إعلام قريبة من النظام- تنفي أصل وجود أي اتصالات مباشرة أو غير مباشرة.

بطبيعة الحال، فإن هذا التناقض لا يصنع يقيناً دبلوماسياً، بل يصنع فقط نافذة أمل تكفي كي تُباع بعض مراكز التحوّط، ويُخفَّف جزء من «تسعير الذعر».

السوق يراهن على التأجيل لا على الحل

السؤال الأدق ليس: هل السوق يراهن على اتفاق فعلي؟ وجوابه على الأرجح «لا، ليس بعد». فالسوق يراهن أولاً على تأجيل التصعيد أكثر مما يراهن على حلّه. وفي هذه الحالة، فإن الفرق كبير.

يحتاج الاتفاق الحقيقي إلى إشارات متسقة من الطرفين، أو على الأقل قبول ضمني من الطرف الآخر غير الذي صدر عنه الخبر. أما ما حدث يوم الاثنين، فهو أشبه بإعادة تسعير لاحتمال أن الضربة الأميركية المباشرة على البنية التحتية الإيرانية، لم تعد وشيكة بالقدر الذي خشيت منه الأسواق قبل ساعات. وهذا وحده كافٍ لإسقاط جزء من علاوة النفط الحربية، من دون أن يعني أن مساراً تفاوضياً راسخاً قد بدأ فعلياً.

أخبار ذات صلة

خلال كلمة مصورة لوزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة «أدنوك» سلطان أحمد الجابر في مؤتمر «أسبوع سيرا للطاقة» يوم 23 مارس 2026.

الرئيس التنفيذي لـ«أدنوك»: زيادة أسعار النفط تبطئ نمو الاقتصاد العالمي

يمكن القول هنا، إن السوق لا يشتري قصة انفراج، بل «يستأجرها بشكل مؤقت». وهذا يفسّر لماذا كان هبوط النفط عنيفاً وسريعاً، لكنه لا يضمن أن يبقى هابطاً.

لهذا السبب، يجب الحذر من قراءة صعود الأسهم على أنه «ثقة» في الدبلوماسية. فما حدث كان أقرب إلى ارتياح من أسوأ سيناريو ممكن: لا ضربات فورية على منشآت إيرانية إضافية، ولا قفزة جديدة في مخاطر انقطاع الإمدادات، ولا تسارعَ مباشراً نحو صدمة طاقة أوسع نطاقاً.

وكالة «رويترز» أفادت بأن خام برنت هبط خلال الجلسة بما يصل إلى نحو 15% مسجلاً 96 دولاراً، قبل أن يقلّص بعض خسائره، بينما تحوّلت الأسهم الأوروبية من هبوط حاد إلى مكاسب، فيما صعدت العقود والأسهم الأميركية بقوة، وتراجع الدولار من ذروة سابقة.

هذا كله يدلّ على أن «الخبر خفّف الذيل الكارثي»، وليس أن «الخبر أثبت أن السلام قريب».

المؤشر الأصدق: النفط مقترناً بحركة الملاحة في مضيق هرمز

المؤشر الأكثر صدقاً في هذه اللحظة ليس الأسهم، خصوصاً أنها أسرع الأصول اندفاعاً وراء الارتياح اللحظي. وليس الدولار وحده أيضاً، لأن حركته تختلط بتوقعات الفائدة وشهية المخاطرة. وحتى عوائد السندات الحكومية قد تعطي إشارة مشوشة على اعتبار أن جزءاً من حركتها يعكس تضخم الطاقة، وجزءاً آخر يعكس طلب الملاذات.

إن المؤشر الأكثر صدقاً هو «النفط مقترناً بحالة المرور الفعلية عبر هرمز». فالسياسة يمكن أن تُنتج عناوين متناقضة، لكن السوق لا يستطيع تجاهل ما إذا كانت البراميل والسفن والتأمينات تعود فعلاً إلى تدفق طبيعي عبر المضيق أم لا.

مضيق هرمز - الأرقام التي تحكم التسعير
حجم التدفق عبر هرمز (النصف الأول 2025) 23.2 مليون برميل يومياً
نسبة تدفقات النفط البحرية العالمية عبر المضيق %29
نسبة استهلاك العالم من النفط المارّ عبره حوالي 20%

لذلك فإن أي انفراج سياسي لا يُترجم سريعاً إلى تحسن فعلي في الملاحة والتأمين وتدفقات الشحن، يظل انفراجاً ناقصاً في نظر السوق الحقيقي، حتى لو صفّقت له الأسهم لساعات.

هشاشة الوضع أكبر من أن تسمح بإعلان «عودة الدبلوماسية»

التطورات الموازية تقول إن هشاشة الوضع ما زالت أكبر من أن تسمح بإعلان «عودة الدبلوماسية». كوريا الجنوبية مثلاً طلبت من إيران ضمان سلامة السفن داخل مضيق هرمز بعد تعطل عشرات السفن، و«أدنوك للغاز» عدّلت بعض إنتاجها وصادراتها بسبب الاضطراب، بينما حذّرت شركات طاقة كبرى من أن استمرار التعطيل لأشهر قد يتحوّل إلى خطر نظامي على الاقتصاد العالمي. 

في خلفية كل ذلك، لا يزال السوق يتعامل مع واقع أن الإغلاق أو التعطيل في هرمز لا يحتاج اتفاقاً أميركياً إيرانياً كي ينتهي على شاشات التداول، بل إنه يحتاج قدرة عملية على إعادة المرور والتأمين والإمدادات.

ما يقود التسعير: الفارق بين السردية السياسية والنتيجة التشغيلية

حين تتناقض الرسائل بين واشنطن وطهران، لا تكون «السياسة» هي التي تقود التسعير بالكامل، ولا «الخوف» وحده. فالذي يقود التسعير هو الفارق بين «السردية السياسية» و«النتيجة التشغيلية».

أخبار ذات صلة

مقر شركة «أدنوك للغاز» في العاصمة الإماراتية أبوظبي يوم 4 ديسمبر 2023

«أدنوك للغاز» الإماراتية تؤكد استمرارية العمليات بشكل طبيعي وآمن

إذا كانت واشنطن تتحدث عن تقدم، فيما تنفي إيران، وإذا كانت السفن لا تزال عالقة، وشركات الطاقة تعدّل الإنتاج، والتأمين الحربي مطلوب لعبور بعض المسارات، فإن السوق لا يشتري قصة انفراج، بل «يستأجرها مؤقتاً».

وهذا يفسّر لماذا كان هبوط النفط عنيفاً وسريعاً، لكنه لا يضمن أن يبقى هابطاً إذا لم تظهر خلال الأيام الخمسة المقبلة مؤشرات تشغيلية صلبة على أن التهدئة ليست مجرد ضجيج سياسي.

ما الذي يجب أن يراقبه المستثمر الآن؟

أولاً: هل يستمر النفط في التخلي عن علاوة الحرب، أو يرتد سريعاً عند أي نفي أو حادث ملاحي جديد؟

ثانياً: هل تظهر دلائل فعلية على تحسن المرور في مضيق هرمز، لا مجرد تصريحات عن نوايا؟

ثالثاً: هل تتراجع مؤشرات الضغط في العملات والأسواق الأكثر حساسية للطاقة والاستيراد، أو أن الارتياح يبقى محصوراً في جلسة أو جلستين؟

رابعاً: هل تصبح الرسائل الأميركية والإيرانية أقل تناقضاً، أو يدخل طرف ثالث موثوق يثبت وجود قناة تفاوض حقيقية؟

 إذا لم يتحقق ذلك، فيمكن القول إن ما رأيناه على الأرجح ليس بداية انفراج، بل مجرد «تسعير لأمل هشّ» بأن الضربة التالية قد تأجلت. والأسواق، كما يحدث كثيراً، لا تصدّق التهدئة بقدر ما تتداول على أمنياتها.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف