logo
مقالات الرأي

الإمارات تجاوزت نموذج «أوبك»

الإمارات تجاوزت نموذج «أوبك»
أبراج الاتحاد في العاصمة الإماراتية أبوظبي يوم 24 فبراير 2017المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

قد يبدو للوهلة الأولى كأن الإمارات قد كسرت قاعدة تاريخية، ولكن الواقع مختلف تماماً، فقراءة قرار دولة الإمارات العربية المتحدة بالانسحاب من «أوبك» و«أوبك بلس» هو باعتباره نتيجة طبيعية لتحوّل أعمق في بنية سوق الطاقة العالمية، وليس مجرد رد فعل ظرفي على تطورات جيوسياسية آنية.

أخبار ذات صلة

تقدّر احتياطيات الإمارات النفطية بنحو 98 مليار برميل.

خروج الإمارات من «أوبك».. مرونة أكبر تعزز مكانتها في الطاقة العالمية

هل فقدت أوبك قدرتها على ضبط السوق؟

منذ تأسيس «أوبك»، استندت فلسفتها إلى فكرة بسيطة لكنها فعّالة: إدارة العرض بشكل جماعي للحفاظ على توازن الأسعار. غير أن هذه المعادلة صُممت لعالم كان فيه عدد المنتجين محدوداً، وكانت فيه القدرة على التحكم في الإمدادات تمنح نفوذاً مباشراً على السوق. اليوم، تغيّرت هذه الشروط جذرياً.

صعود إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، وتزايد المنافسة من دول منتجة غير أعضاء في المنظمة، قلّصا من فعالية هذا النموذج، وأعادا تعريف مفهوم «القوة» في سوق الطاقة.

مفارقة الحصص الإنتاجية

في هذا السياق، تبدو القيود الإنتاجية التي تفرضها «أوبك» أقل انسجاماً مع مصالح الدول ذات الكفاءة العالية والتكلفة المنخفضة. فدولة مثل الإمارات، التي طوّرت خلال السنوات الماضية قدرة إنتاجية مرنة واستثمرت بكثافة في توسيع طاقتها، تجد نفسها أمام مفارقة: كلما زادت قدرتها على الإنتاج، زادت القيود المفروضة عليها ضمن نظام الحصص. وهذا يتناقض مع منطق اقتصاد السوق الحديث، حيث تُكافأ الدول التي لم تستثمر في قدراتها الإنتاجية والعكس صحيح.

لكن التحوّل لا يقتصر على معادلات العرض والطلب. فالأحداث الأخيرة في المنطقة، ولا سيما الحرب الإيرانية الأميركية وإغلاق «مضيق هرمز»، كشفت عن خلل آخر في النموذج الجماعي. فقد أظهرت هذه الأزمة أن المخاطر الجيوسياسية لا تتوزع تأثيراتها بالتساوي بين الدول الأعضاء. بعض الدول التي تعتمد بالكامل على الممرات البحرية الحساسة، لا تستطيع الاستفادة من ارتفاع الأسعار في حين دول بعيده عن منطقة الصراع هي المستفيدة.

أخبار ذات صلة

وزراء الطاقة، السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، والإماراتي سهيل المزروعي، والروسي ألكسندر نوفاك، يتحدثون بعد انتهاء اجتماع أوبك في الرياض، في 2 يونيو 2024

ماذا يعني انسحاب الإمارات من «أوبك» لموقع المنظمة في سوق النفط؟

البنية التحتية كأداة استقلال استراتيجي

الإمارات، عبر استثماراتها المبكرة في البنية التحتية وخطوط الأنابيب، عملت على أن تقلل من هذا الاعتماد ولها الحق ان تجني استثماراتها في هذه الأوضاع، ولكن هذا التفاوت من داخل «أوبك» يجعل من الصعب تطبيق سياسة موحدة تحقق مصالح الجميع بالقدر ذاته.

إلى جانب ذلك، لم يعد الهدف الاستراتيجي للدول المنتجة يقتصر على دعم الأسعار. فالإمارات، على سبيل المثال، تبنّت نموذجاً اقتصادياً يسعى إلى تعظيم القيمة عبر سلسلة الطاقة بأكملها، من الإنتاج إلى التكرير والصناعات التحويلية، مع تسريع وتيرة التنويع الاقتصادي. في هذا الإطار، تصبح المرونة في تحديد مستويات الإنتاج أداة أساسية، لا يمكن التنازل عنها لصالح التزامات جماعية قد لا تعكس أولويات الاقتصاد الوطني.

في نهاية المطاف، لا يعني خروج الإمارات من «أوبك» رفضاً لفكرة التعاون بحد ذاتها، بل إعادة تقييم لجدوى شكل معين من هذا التعاون في عالم يتّسم بسرعة التغير وتعقيد التحديات. فبينما كان التنسيق الجماعي في الماضي مصدر قوة، أصبحت المرونة والسيادة في اتخاذ القرار هي الميزة التنافسية الأهم في المرحلة القادمة.

وهكذا أرى أن الخطوة التي اتخذتها دولة الإمارات ليست استثناءً، بل ضرورة في عالم الطاقة الجديد لأنها تعكس الحاجة إلى التحوّل إلى نموذج «التكيُّف مع السوق»، فهو الفارق بين من يواكب التغيير… ومن يتأخر عنه.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف