
في خطوة إستراتيجية تعكس رغبتها في السيطرة الكاملة على بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي، كشفت شركة «ميتا» عن توسع ضخم في برنامجها لتطوير الرقائق المخصصة، معلنةً عن خريطة طريق تشمل 4 أجيال جديدة من معالجات MTIA (Meta Training and Inference Accelerator)، في خطوة تأتي لتقليل الاعتماد المتزايد على الشركات الخارجية مثل «إنفيديا» و«إيه إم دي»، وتعزيز كفاءة مراكز البيانات الضخمة التي تدعم مليارات المستخدمين.
هذه الخطوة ليست مجرد تحديث تقني، بل يراها مراقبون كإعلان استقلال عن هيمنة الموردين الخارجيين.
أعلنت «ميتا» عن عائلة رقائق إلكترونية متكاملة تبدأ بطراز (MTIA 300) الذي دخل بالفعل مرحلة الإنتاج والتشغيل الفعلي لتحسين خوارزميات الترتيب والتوصية على منصتي «فيسبوك» و«إنستغرام»، ولكن الطموح لم يتوقف هنا، حيث كشفت الشركة عن خطط لإطلاق أجيال MTIA 400 و 450 و500 بحلول نهاية عام 2027.
تتميز هذه الرقائق الجديدة بقدرات هائلة في الذاكرة العشوائية ذات النطاق العريض (HBM) حيث تستهدف «ميتا» سعة 288 غيغابايت في طرازي 400 و450، بينما يقفز طراز MTIA 500 إلى سعة تتراوح بين 384 و512 غيغابايت. هذا التطور التقني يهدف بشكل مباشر إلى دعم مهام الاستدلال المعقدة للذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل توليد الصور والنصوص بسرعة فائقة، وتكلفة طاقة أقل.
على الرغم من هذه الإعلانات القوية، تتبع «ميتا» نهجاً حذراً يصفه التنفيذيون بـ«الزحف، المشي، ثم الركض». ويأتي هذا الحذر نتيجة تجارب سابقة تعثرت فيها الشركة في تطوير الرقائق. تدرك «ميتا» أن هذا الأمر ليس مجرد تحدٍ هندسي، بل هو صراع مع سلاسل الإمداد العالمية وتكاليف التطوير الباهظة.
ومع ذلك، فإن الدوافع الاقتصادية قوية جداً. فوفقاً لتقارير مطلعة، تتوقع «ميتا» أن تصل نفقاتها الرأسمالية في العام 2025 وحده إلى نحو 119 مليار دولار، يذهب جزء هائل منها لشراء رقائق خارجية. ومن خلال تطوير رقائقها الخاصة، تسعى الشركة إلى كسر ما وصفه بعض المحللين بـ«استئجار مفاتيح مستقبل الذاء الاصطناعي» من شركة «إنفيديا».
لا تقتصر إستراتيجية «ميتا» على الرقائق الإلكترونية فقط، بل تمتد لتشمل مراكز البيانات. تمتلك الشركة حالياً 30 مركز بيانات (بين مشغّل ومخطط له)، تقع 26 منها داخل الولايات المتحدة. ومن أبرز المشاريع الجاري تنفيذها هو مركز بيانات بقدرة 5 غيغاوات في لويزيانا، والذي سيكون بمثابة «مصنع للذكاء الاصطناعي» يستوعب هذه الأجيال الجديدة من المعالجات.
الهدف النهائي هو تحقيق التوازن. فبينما ستستمر «ميتا» في استخدام رقائق «إنفيديا» و«إيه إم دي» لتدريب أضخم نماذجها اللغوية (LLM)، ستتولى رقائق MTIA مهام التشغيل اليومي لخدمات الذكاء الاصطناعي الموجهة للمستخدمين، مما يقلل التكلفة التشغيلية بنسبة كبيرة على المدى الطويل.
وفي عالم أصبح فيه الذكاء الاصطناعي هو المحرك الأساسي للاقتصاد الرقمي، لم يعد امتلاك البرمجيات كافياً، بل أصبح امتلاك العتاد هو الضمان الوحيد للريادة والاستمرارية. ومع توجه الشركة نحو تقنيات تصنيع متقدمة مثل تقنية 3 نانومتر من (TSMC) التايوانية يبدو أن «ميتا» قد بدأت بالفعل مرحلة الركض في سباق التسلح التقني.