
مع تسارع الجدل العالمي بشأن حدود حرية التعبير ودور المنصات الرقمية في مواجهة التضليل، أقدمت منصة «يوتيوب» على خطوة مثيرة للاهتمام. فقد أعلنت فتح الباب مجدداً أمام صناع محتوى جرى حظرهم في ذروة جائحة كورونا وانتخابات 2020 الأميركية، لإعادة تفعيل قنواتهم ضمن برنامج تجريبي جديد.
في ذروة جائحة كورونا عام 2020، فرضت يوتيوب قيودا صارمة على المحتوى الصحي، فحظرت مقاطع الفيديو التي روجت لمعلومات غير مثبتة أو نظريات مؤامرة تتعلق بالفيروس واللقاحات. وفي العام نفسه، ومع تصاعد الجدل حول نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، اتخذت الشركة إجراءات أكثر صرامة، فحذفت محتويات وروّاد قنوات ادعوا زورًا أنه جرى التلاعب بالانتخابات.
وقد أدّت هذه السياسات إلى إغلاق مئات القنوات، بعضها لشخصيات معروفة وناشطة سياسيا، مثل ستيف بانون ودان بونجينو، إضافة إلى منظمة (Children’s Health Defense) التي أسسها روبرت ف. كينيدي جونيور.
وفي بيانها الأخير، أشارت «يوتيوب» إلى أن بعض القرارات التي اتُّخذت خلال تلك الفترة لم تكن دائمًا متوافقة مع سياساتها، وأنها جاءت أحيانا نتيجة ضغوط من إدارة الرئيس جو بايدن، التي ضغطت على المنصة لإزالة محتوى يتناول كوفيد-19 حتى عندما لم يكن ينتهك القواعد بشكل مباشر. واعتبرت الشركة أن هذا النهج كان «خاطئا وغير مقبول»، وفق البيان الصادر عنها.
وفي أبرز المعلومات عن البرنامج التجريبي الذي أطلقته «يوتيوب»، فهو لن يعيد القنوات المحظورة بشكل تلقائي، بل يتيح لأصحابها التقدّم بطلبات يتم تقييمها وفق معايير محددة. وسيُنظر في حالات صناع الحتوى الذين التزموا خلال فترة حظرهم بعدم الترويج لانتهاكات متكررة، مع التركيز على أهمية منح فرصة ثانية للبعض ممن أثّروا في النقاش العام.
إضافة إلى ذلك، أعلنت المنصة أنها لن تعتمد بعد اليوم على جهات تحقق خارجية لتحديد مصداقية المحتوى، بل ستوفر أدوات داخلية تمنح المشاهدين سياقا أوسع حول المعلومات المتداولة.
وقد جاء هذا التغيير بعد ضغوط من الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، حيث اتهم عدد من نوابه المنصات الرقمية بالانحياز السياسي، وبمحاولة إسكات الأصوات المحافظة تحت شعار محاربة المعلومات المضللة. وترى يوتيوب اليوم أن هؤلاء المبدعين يشكلون جزءا أساسيا من الحوار العام، وأن وجودهم على المنصة يعكس تنوعاً للآراء.
في المقابل، لا يخلو القرار من الانتقادات، إذ يحذّر خبراء من أن التراجع عن سياسات سابقة قد يفتح المجال مجددًا لانتشار روايات مضللة تضر بالصحة العامة أو بالثقة في المؤسسات الديمقراطية.
تجدر الإشارة إلى أن «يوتيوب» كانت قد أنهت رسمياً سياساتها المتعلقة بمكافحة المعلومات المضللة حول كوفيد-19 في كانون الأول من العام 2024، كما أوقفت قواعدها الخاصة بنزاهة الانتخابات منذ عام 2023. وتعتبر الشركة أن هذه القرارات جاءت نتيجة تغيّر الظروف، وأنه لم يعد من المجدي تطبيق تلك القوانين بالطريقة نفسها بعد مرور سنوات على الأحداث.
وبين من يرى أن «يوتيوب» تُصحّح أخطاء الماضي، ومن يتخوّف من عودة نظريات المؤامرة إلى الواجهة، يبقى المؤكد أن هذه الخطوة ستفتح نقاشاً واسعاً حول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والمسؤولية في مواجهة التضليل. كما ستشكّل اختباراً جديداً للمنصة في كيفية إدارة التوازن بين الانفتاح على جميع الأصوات وحماية مستخدميها من المعلومات الضارة