
في وقت تتباطأ فيه وتيرة نمو سوق الهواتف الذكية التقليدية، اختارت «سامسونغ» أن ترفع سقف المنافسة بدل خفض توقعاتها,
وخلال حدث «غالاكسي Unpacked 2026»، لم تكتفِ الشركة الكورية الجنوبية بالكشف عن جيل جديد من أجهزتها، بل قدمت رؤية اقتصادية متكاملة تستند إلى الذكاء الاصطناعي، والأجهزة القابلة للطي، ومنظومة رقمية مترابطة تسعى إلى تعزيز ولاء المستخدمين ورفع قيمة الإيرادات طويلة الأجل.
شملت الإطلاقات الجديدة هواتف (Galaxy Z Fold8 Ultra) و (Galaxy Z Fold8وGalaxy Z Flip8)، إلى جانب ساعتي (Galaxy Watch9) و(Galaxy Watch Ultra2)، مع توسيع نطاق خدمات (Galaxy AI)، لتصبح محور التجربة الرقمية بأكملها.
ويعكس ذلك تحولاً استراتيجياً في نموذج أعمال «سامسونغ»، من التركيز على بيع الأجهزة إلى بناء منظومة تقنية متكاملة يصعب على المستخدم مغادرتها.
تبيّن المؤشرات إلى دخول سوق الهواتف الذكية مرحلة النضج، حيث أصبحت معدلات الاستبدال أطول، وازدادت صعوبة تحقيق نمو كبير عبر تحسينات تقليدية في الأداء أو الكاميرات.
وفي هذا السياق، تبدو استراتيجية «سامسونغ» محاولة لإعادة تعريف القيمة المضافة من خلال تقديم أجهزة تجمع بين التصميم المتطور والذكاء الاصطناعي والإنتاجية.
ويأتي إطلاق (Galaxy Z Fold8 Ultra) بوصفه أول هاتف قابل للطي يحمل علامة (Ultra)، في إشارة واضحة إلى رغبة الشركة في ترسيخ هذه الفئة كمنتج فاخر يستهدف المستخدمين المحترفين، وليس مجرد تجربة تقنية. ومن الناحية الاقتصادية، يتيح هذا التوجه رفع متوسط سعر البيع وتحسين هوامش الربح؛ ما يمثل أولوية لكبريات شركات التقنية في ظل تباطؤ نمو المبيعات العالمية.
الرسالة الأبرز في الحدث لم تكن مواصفات الأجهزة، بل المكانة التي أصبح يحتلها الذكاء الاصطناعي داخل استراتيجية «سامسونغ».
فقد انتقلت الشركة من إضافة ميزات ذكية متفرقة إلى دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف جوانب الاستخدام اليومي، بدءاً من إدارة الملفات وتلخيص الاجتماعات، وصولاً إلى إنشاء المحتوى وتحسين الإنتاجية.
اقتصادياً، يمثل هذا التحول خطوة نحو نموذج يعتمد بدرجة أكبر على الخدمات والاشتراكات الرقمية، وهو النموذج الذي يمنح الشركات التقنية تدفقات نقدية أكثر استقراراً مقارنة بالاعتماد على دورات إطلاق الأجهزة فقط.
كما أن زيادة اعتماد المستخدمين على خدمات (Galaxy AI) ترفع تكلفة الانتقال إلى منصات منافسة؛ ما يعزز الاحتفاظ بالعملاء على المدى الطويل.
رغم أن الهواتف القابلة للطي لا تزال تمثل شريحة محدودة من السوق العالمية، إلا أنها تُعد من أكثر الفئات ربحية، نظراً لارتفاع أسعارها واعتمادها على تقنيات تصنيع متقدمة.
وتدرك «سامسونغ» أن الحفاظ على ريادتها في هذا القطاع يمنحها أفضلية استراتيجية، خاصة مع دخول منافسين آسيويين بوتيرة متسارعة.
لذلك ركزت في أجهزتها الجديدة على تحسين عوامل الاستخدام اليومية، مثل النحافة، وخفة الوزن، ومتانة المفصلات، إلى جانب دمج قدرات الذكاء الاصطناعي، في محاولة لتحويل الهاتف القابل للطي من منتج متخصص إلى خيار رئيس لفئة أوسع من المستهلكين.
تشهد صناعة التكنولوجيا تحولاً واضحاً من المنافسة بين الأجهزة إلى المنافسة بين المنظومات الرقمية.
في هذا الإطار، تعمل «سامسونغ» على بناء شبكة مترابطة تضم الهاتف، والساعة الذكية، والأجهزة اللوحية، والحواسيب، والخدمات السحابية، بحيث تتحول تجربة المستخدم إلى نظام متكامل يصعب استبداله بمنتج منفرد من شركة أخرى.
تسير هذه الاستراتيجية في مواجهة مباشرة مع نموذج «أبل»، لكنها تعتمد على فلسفة مختلفة تقوم على الانفتاح والتعاون مع شركاء مثل «غوغل»، مع التركيز على تقديم خيارات أوسع للمستخدمين، خصوصاً في مجال الذكاء الاصطناعي.
لا تقتصر أهمية إطلاق هذه الأجهزة على سوق المستهلك النهائي، بل تمتد إلى سلاسل التوريد العالمية. فالإنتاج التجاري للهواتف القابلة للطي والساعات الذكية الجديدة يعني زيادة الطلب على الشاشات المرنة، وشرائح الذاكرة، والمعالجات، ووحدات الكاميرات، وهي قطاعات تمتلك سامسونغ فيها حضوراً صناعياً قوياً.
ويمنح هذا التكامل الرأسي الشركة ميزة تنافسية مهمة، إذ تستطيع الاستفادة من تصنيع جزء كبير من مكوناتها داخلياً، بما يقلل من مخاطر اضطرابات الإمداد ويمنحها مرونة أكبر في إدارة التكاليف مقارنة بعدد من منافسيها.
لا يمكن تقييم نجاح (Galaxy Unpacked 2026) بعدد الأجهزة التي ستباع خلال الأشهر الأولى، بل بمدى قدرة «سامسونغ» على تحويل مستخدميها إلى عملاء دائمين داخل منظومتها الرقمية.
فكل خدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وكل جهاز إضافي يرتبط بالهاتف، يرفع من القيمة الاقتصادية لكل مستخدم ويزيد من فرص تحقيق إيرادات متكررة في المستقبل.
وفي عالم أصبحت فيه البيانات والخدمات الذكية أكثر أهمية من العتاد نفسه، يبدو أن «سامسونغ» تراهن على أن يكون الذكاء الاصطناعي هو المحرك الرئيس لمرحلة النمو المقبلة، بينما تمثل الهواتف القابلة للطي الواجهة التي تعكس هذا التحول.
إذاً، يكشف (Galaxy Unpacked 2026) عن تحول استراتيجي في فلسفة «سامسونغ»، من شركة تبيع أجهزة متطورة إلى شركة تبني منظومة اقتصادية رقمية متكاملة.
وإذا نجحت بترسيخ هذا النموذج، فإن مكاسبها لن تقتصر على زيادة المبيعات، بل ستمتد إلى تعزيز الربحية، ورفع قيمة العميل مدى الحياة، وترسيخ مكانتها كأحد أبرز اللاعبين في اقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي.
وبذلك، لم يعد السؤال المطروح هو: كم هاتفاً ستبيع «سامسونغ» هذا العام؟ بل: إلى أي مدى ستنجح بتحويل الابتكار التقني إلى نموذج أعمال مستدام يقود المرحلة المقبلة من المنافسة العالمية؟