
يشهد قطاع الإعلام العالمي نقاشا محتدما حول تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي، خاصة بعد انتشار أدوات مثل (ChatGPT) و«جيميني» و«كلاود»، القادرة على إنتاج نصوص وتقارير وصور وفيديوهات بجودة قريبة من عمل الصحفيين والمحررين والمصممين.
وهذه الطفرة التكنولوجية تطرح سؤالاً مصيرياً: هل يشكل الذكاء الاصطناعي تهديداً لوظائف الصحفيين، أم أنه قد يكون محركاً لفرص اقتصادية جديدة داخل الصناعة الإعلامية؟
بدأت العديد من المؤسسات الإعلامية العالمية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى تجريبي أو تحرير الأخبار العاجلة. ورغم أن الهدف المعلن هو توفير الوقت وتقليل التكاليف، فإن الاعتماد المتزايد على الآلات قد يؤدي إلى تقليص أعداد الصحفيين، خصوصاً في غرف الأخبار الصغيرة. فهل نحن أمام خطر حقيقي يتمثل في استبدال العمل البشري بالبرمجيات، ما قد يؤدي إلى فقدان المهنة لجوهرها الإنساني والإبداعي؟
على الجانب الآخر، يرى محللون اقتصاديون أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يفتح آفاقاً جديدة، سواء من خلال خفض التكاليف التشغيلية أو عبر ابتكار نماذج أعمال جديدة. فالمؤسسات الإعلامية التي تعاني من تراجع الإعلانات الورقية وتراجع الاشتراكات، يمكن أن تستفيد من الأتمتة لإعادة توجيه مواردها نحو مجالات أكثر ربحية مثل الصحافة الاستقصائية أو إنتاج المحتوى المرئي عالي الجودة. كما أن دمج هذه التقنيات يتيح تطوير خدمات جديدة للقارئ، مثل تخصيص الأخبار بناءً على الاهتمامات الفردية، أو توفير ملخصات فورية للأحداث العالمية، وهو ما يمكن أن يزيد من ولاء الجمهور ويجذب معلنين جدداً.
يشير الخبراء إلى أن الحل لا يكمن في رفض التكنولوجيا بالكامل، بل في إيجاد توازن يضمن الاستفادة منها دون التضحية بالقيم المهنية. فالذكاء الاصطناعي يمكنه المساعدة في تحرير النصوص، ترجمة الأخبار، أو فرز كميات ضخمة من البيانات، فيما يظل الحكم الصحفي والتحقق من المعلومات مسؤولية بشرية أساسية.
وبحسب الخبراء، قد يغيّر الذكاء الاصطناعي شكل المهنة، لكنه لن يقضي عليها. فالصحفيون الذين يتقنون استخدام هذه الأدوات سيجدون أنفسهم أكثر قيمة في سوق العمل.
رغم المخاوف، من المتوقع أن يتوسع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار خلال السنوات المقبلة. ووفق دراسة أجرتها شركة ماكينزي للاستشارات، فإن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام قد يولّد قيمة اقتصادية تتجاوز 300 مليار دولار عالميا بحلول 2030، عبر زيادة الإنتاجية وخلق منتجات إعلامية جديدة. فبينما يتخوف البعض من فقدان وظائفهم، يرى آخرون أن القادم قد يكون بداية لمرحلة اقتصادية جديدة، تعيد تشكيل الإعلام وتمنحه فرصاً غير مسبوقة للنمو.
إذن، السؤال ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الإعلام، بل كيف يجب المحافظة على البعد الإنساني للمهنة في مواجهة تسارع الأتمتة، وضمان أن تكون التكنولوجيا أداة تمكين للصحفيين لا بديلاً لهم.